Arab
حين يستدعى الكلام في السياق الفلسطيني، فإنما للتعبير عن وجوده المتواصل وهو يتعرض للمصادرة أو أقلّه التجويف على يد قوة استعمارية غريبة عن البلاد والعباد. وحين يحضر الصمت، لا يكون نقيضاً للكلام بالضرورة، بل أحد أشكاله الأكثر كثافة، إذ بين الكلام والصمت تتشكل مساحات المقاومة الثقافية، ممارسةً تختبر حدود ما يمكن قوله، وما يُترك معلقاً، وما يُضطر إلى أن يُقال مواربة، لا بل ما يمكن له تمثلاً لقول الجواهري "فالصمت أفضل ما يُطوى عليه فمُ".
في اليوم الأخير من منتدى فلسطين السنوي الذي اختتم اليوم الاثنين، جاءت جلسة "المقاومة من خلال الشعر والأدب والسينما" بثلاثة أصوات، ومواضيع تبدو متمايزة عن بعضها، بيد أن ما يجمعها قلق واحد، أو قلق بلهجة واحدة.
قدم الجلسة حيدر سعيد رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فكانت الورقة الأولى من مها زيادة الباحثة في الأدب الفلسطيني في ضوء دراسات ما بعد الاستعمار.
بعنوان "تمثيل التجربة الاستعمارية في أدب الأسرى: قراءة مكانية في رواية قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، بدا واضحاً أن السؤال لم يكن عن رواية بعينها، بل عن شروط إنتاج الكتابة تحت القيد.
لم تظهر رواية خندقجي تجربة استثنائية معزولة، بل منظومة كاملة تفرض إيقاعها على الجسد واللغة معاً. فالمكان في هذه القراءة لا يؤدي دور الخلفية. إنه يتحول إلى بنية معرفية فاعلة.
في عبارة كثيفة قالت زيادة إن "المكان لا يعمل ضد النص فقط، بل يعمل داخله"، جملة تكفي لفهم هذا النوع من الكتابة التي لا تدّعي اختراق الجدران، لكنها تترك فيها شقوقاً دقيقة.
النص الخارج من الأسر، كما بدا في هذه المداخلة، لا يحمل براءته معه. فهو نص يعرف أنه مراقَب، ومشروط، وقابل للاستخدام خارج سياقه. لذلك لا يندفع إلى الخطابة، ولا يقدّم بطولة سهلة أو شهادة مكتملة.
عند هذه النقطة، بدا أن ما يجمع الشعر وأدب الأسرى ليس الموضوع، بل العلاقة المتوترة مع اللغة نفسها. هذا التوتر ينتقل إلى الشعر، ولربما يحتاجه أسرع وأشد من غيره من فنون الكتابة. بدا أن طقوس الحزن والحداد لم تعد ممكنة في الفضاء الفلسطيني إلا ضمن ما تسمح به السياسات السيادية وتقنيات السيطرة الغاشمة للاحتلال الإسرائيلي.
غزة لا تطلب تعاطفاً من العالم، كما يدفع تيسير أبو عودة الباحث وأستاذ الأدب المقارن. غزة تلزم العالم الذي لديه رفاهية البث المباشر أن يواجه بنية إبادة كاملة تقوم على التجويع والحصار وإغلاق المعابر وتدمير المستشفيات، واستهداف الأطباء، والتعليم، والجامعات. في هذا السياق، لا يعود الحداد زمناً مؤجلاً، وإنما هو حدث مكثف فوري يصيب المتلقي كما يصيب الضحية. وهنا لا يعمل الشعر على تجميل الفقد.
الصمت السينمائي
من هذا المسار اللغوي والمكاني، جاء حديث أكرم الأشقر، المخرج والمحاضر الجامعي، عن الصمت في السينما الفلسطينية الثورية ليضيف بعداً بصرياً لما طرح سابقاً. في أفلام تعود إلى مرحلة اعتادت رفع الصوت، بدا الصمت عنصراً يضبط الإيقاع. والصمت الذي نبحث عنه جمالياً تعبيرياً لا ينسحب من المواجهة، وإنما يعيد تموضعه لينظم روحه ويفرض عليها بلاغة جديدة، ويضع المتفرج في موقع لا يسمح له بالاستهلاك السريع للصورة.
السؤال الذي طرح بحدة كان بسيطاً في صياغته، معقّداً في نتائجه: لماذا نختار الصمت في لحظة نبحث فيها عن مخاطبة العالم، فيما يعمل العدو أصلاً على إسكاتنا؟ السينما، بوصفها فناً جماهيرياً، تقوم على التواصل، ومع ذلك فإن الصمت الذي نتحدث عنه هنا ليس غياب الحوار أو الموسيقى، بل اقتراب محسوب من الصمت المطلق، ذلك المحظور تقنياً وجمالياً في تاريخ السينما.
في فيلم "عدوان صهيوني" للمخرج مصطفى أبو علي (1972) لا يلغى الصوت، بل يعاد تعريفه. ثغاء الغنم، خرير الماء، عزف العود الذي يرجّح أن يكون لمنير بشير، وأصوات الأطفال في الحقول، تحلّ محل الخطاب السياسي المباشر. هذه ليست مؤثرات تزيينية، بل بقايا حياة تترك وحدها في مواجهة الخراب. الفيلم، المترجم إلى العربية والإنكليزية والفرنسية، لا ينسحب من الخطاب العالمي، بل يعيد صياغته، دافعاً المتلقي إلى التفكير وإنتاج تعليقه الخاص بدل تلقي رسالة جاهزة.
يتقاطع هذا الخيار مع فيلم "ليس لهم وجود"، وهو لمصطفى أبو علي أيضاً، وهما أهم وثيقتين تتعلقان بمخيم النبطية الذي محي من الجغرافيا بعد الغارات الإسرائيلية عام 1974. هنا يستخدم الصمت بدرجة أقل، وتدرج شهادات السكان ومقابلات أهالي الأطفال الذين قتلوا، مع غياب شبه تام للخطاب السياسي المباشر. الحدث يعاد إلى مستوى الإنسان، لا إلى البلاغة الأيديولوجية.
ما يجمع الشعر وأدب الأسرى العلاقة المتوترة مع اللغة نفسها
الصمت في هذه الأفلام ليس فراغاً محايداً، ولا ترفاً جمالياً، بل قرار إخراجي جريء. مصطفى أبو علي لخّص هذا الموقف بتعبير شعبي دقيق: "لا أريد أن أرشّ على الموت سكّراً". أي أن الجثث والأشلاء وحدها تتكلم فلماذا أضيف موسيقى؟
القصة، كما يؤكد أكرم الأشقر، هي ميلودراما ومع هذا "نلجأ للتخفيف منها لتصبح دراما"، لا مادة لاستدرار العاطفة. ورغم أن ظروف الإنتاج القاسية، من التصوير على أشرطة 16 ملم إلى تسجيل الصوت على جهاز منفصل، لعبت دورها، فإن النتيجة أثبتت أن الصمت كان خياراً واعياً، لا اضطراراً تقنياً.
بهذا المعنى، لم تكن الجلسة مجموعة مداخلات منفصلة، بل مسار واحد يمر عبر اللغة والمكان والصورة، ويختبر حدود الكلام وقيمة الصمت، وما يحدث حين تدفَع أدوات التعبير إلى أقصى طاقتها. لا خلاص هنا، ولا إجابات جاهزة. ثمة إصرار على إبقاء الأسئلة مفتوحة، من دون أن تتحول إلى ضجيج.

Related News
علاج للنقرس يقي من أمراض القلب والدماغ
aawsat
15 minutes ago
روديغير وأرنولد يقتربان من العودة للمشاركة مع ريال مدريد
aawsat
15 minutes ago