Arab
في دير الزور، لا تبدو الجغرافية مجرد مساحة منكوبة، بل ذاكرة مفتوحة على طبقات من الحضارة، والنفط، ونهر الفرات، والناس الذين بقوا رغم كل شيء. هذه المدينة التي قامت تاريخياً على ضفاف النهر مركزاً تجارياً وحضارياً، تحولت خلال أربعة عشر عاماً من الحرب إلى واحدة من أكثر المدن السورية دماراً، من دون أن تفقد روحها أو كرم أهلها.
تقع دير الزور شرقي سورية، وتطل على نهر الفرات الذي منحها عبر العصور موقعاً استثنائياً بوصفها حلقة وصل بين البادية والجزيرة، وبين الزراعة والتجارة. ورغم ما تختزنه من خيرات نفطية وزراعية، دفعت المدينة ثمناً باهظاً منذ انطلاق الثورة السورية؛ إذ تعرضت هي وريفها لقصف واسع النطاق من "النظام السوري السابق" وحلفائه، ما أدى إلى دمار كلي أو جزئي طاول أكثر من 80% من أحيائها، بما فيها من منازل ومساجد وكنائس. وتشير بيانات رسمية صادرة عن "مكتب تنسيق العمل الإنساني" (HAC) إلى تضرر نحو 13 ألف منزل جزئياً في ريف المحافظة، مقابل 2900 منزل دُمرت كلياً.
قصة الجسور في دير الزور
لم تكن الجسور بمنأى عن هذا الخراب؛ فقد تعرضت جسور دير الزور لقصف ممنهج، ودُمّرت جميعها، وكان أبرزها "الجسر المعلق"، أيقونة المدينة التاريخية. واليوم، لم يتبقَّ سوى "الجسر الترابي"، الذي أُعيد تأهيله في آذار/مارس من العام الماضي، ويقع بين الجسر المعلق وجسر السياسية. هذا الجسر لم يكن مجرد ممر عبور، بل خط تماس مباشر عبرت منه لاحقاً قوات وآليات الجيش السوري نحو شرقي الفرات. ووفق روايات محلية، كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعتزم تفجيره قبيل انسحابها، كما فعلت بجسور أخرى، غير أن تدخل قوات العشائر عجّل بانسحابها قبل تنفيذ ذلك.
يقول عبد الرزاق أحمد الأحمد، أحد سكان دير الزور، لـ"العربي الجديد": "النظام البائد دمّر البلد، وأتمنى من الحكومة الجديدة إعادة تأهيل المدينة من بيوت وبنى تحتية، ليتمكن النازحون من العودة. كثير من الناس رمّموا بيوتهم بطرق بدائية جداً ليستقروا فيها". ويشير الأحمد بيده نحو الجسر الترابي قائلاً: "هذا الجسر كان، قبل أيام قليلة، خط النار بيننا وبين (قسد). كنا نعاني كثيراً من القناصين، ولم نكن نستطيع صيد الأسماك أو حتى جلب الماء. نحن أبناء عشائر، ولنا أولاد عم في شرقي الفرات، ولم نكن نستطيع زيارتهم". ويضيف بتفاؤل: "اليوم عادت الحياة إلى دير الزور بعد طرد قسد".
قرى توقّف فيها الزمن في دير الزور
وعلى امتداد الريف، تبدو الصورة أكثر قسوة. مساحات شاسعة، وبيوت طينية متناثرة، وقرى خالية إلا من آثار الحرب. هذا الفراغ، إلى جانب الدمار الواسع، كان من الأسباب الرئيسية التي منعت النازحين من العودة. في الطريق نحو ريف الحسكة (الريف الشرقي لدير الزور)، تظهر القرى وكأنها متوقّفة عند زمن قديم؛ ولولا آثار الرصاص على الجدران، لخيّل للناظر أنه يعود إلى مئات السنين. لا مقاهي على الطريق، ولا حركة تُذكر، لكن الكرم لا يزال حاضراً؛ ففي كل محطة هناك دعوة إلى الطعام أو عرض لاستضافة عابر السبيل.
أنفاق تحت الركام
يروي محمد حمود المحمود (من حي الرشدية) لـ"العربي الجديد" تفاصيل أخرى من الخراب: "منذ بداية الثورة، كانت هذه المنطقة خط نار بين قوات النظام السابق والجيش الحر، ثم تحولت لاحقاً إلى خط تماس مع تنظيم داعش، الذي حفر أنفاقاً في كل مكان". ويشير المحمود إلى كومة أنقاض قائلاً: "هنا كان يوجد بناء مؤلف من 11 طابقاً (فرع بنك بيمو)، وهو اليوم مسوّى بالأرض". ويضيف أن المنطقة تحولت إلى شبكة خنادق وأنفاق، موضحاً أنه "من أصل ثلاثة آلاف عائلة، لم يعد اليوم سوى 15 عائلة فقط. حتى المدرسة هُدمت تلقائياً بفعل الأنفاق تحتها".
ولا يزال خطر المخلفات الحربية حاضراً بقوة. يقول المحمود: "أعمل في ترحيل الأنقاض، ومنذ أيام عثرنا على لغم كبير جداً، احتاج رفعه إلى أربعة رجال"، في مشهد يختصر حجم الخطر الكامن تحت الركام. يُذكر أن القوى المسيطرة على المدينة تعددت خلال السنوات الماضية، لكن "قسد" لم تمكث فيها أخيراً سوى خمسة أيام، قبل أن تنسحب إلى شرقي الفرات، بعد "سلب ما تركه النظام السوري السابق خلفه"، وفق شهادات الأهالي.
ورغم كل ذلك، لا تبدو دير الزور مدينة مستسلمة. ثمة إحساس عام بأن خروج "قسد" قد يفتح الباب أمام تحسن تدريجي يسمح بعودة الأهالي، وإعادة وصل ما انقطع بين ضفتي الفرات. دير الزور، بما تختزنه من تاريخ، لا تزال تنتظر فرصة حقيقية لإعادة الإعمار، ليس فقط بالحجر، بل بإعادة الاعتبار للإنسان الذي صمد، ورفض أن يكون الخراب هو الحكاية الأخيرة.

Related News
مدرب ضمك: ليس من السهولة الحصول على كل ما نريد
aawsat
21 minutes ago