منتدى فلسطين: رأسمالية الكوارث تقود إعادة إعمار غزة
Arab
1 day ago
share
بعد حرب إبادة أتت على البشر والعمران والاقتصاد والمؤسسات، لا يقتصر الحديث عن إعادة إعمار غزة على الإسمنت والحديد، إنما يحمل هذا الحديث في جوهره طرحاً سياسياً يمنع اختزال غزة، بما تمثّله من قضية تحرّر، لتصبح مشكلة إنسانية ترتبط بقضايا التنمية وتحسين شروط العيش للسكان. وفي هذا الفضاء السياسي والتحرّري، تقاطعت مداخلات متحدثين في ورشة عمل حملت عنوان "نحو أُطر فلسطينية لإعادة الإعمار في غزة: سياسات إعادة الإعمار في غزة ومركزية البقاء الفلسطيني"، عُقدت صباح أمس ضمن أعمال الدورة الرابعة من المنتدى السنوي لفلسطين، الذي يستمر في الدوحة حتى غدٍ الاثنين. وفي الجلسة الافتتاحية، قدّم الباحث غسان الكحلوت التصوّرات التي تناقشها الورشة، مع رؤية ترامب لغزة، موقعاً لمشروع استثماري، وليست أرضاً محتلة، وحيث فلسطين مجرّد جغرافيا جميلة، والفلسطينيون فائض سكاني. وفي سياق تفكيكه لتصوّر ترامب ومجموعته عن الحلّ، رأى الكحلوت أنهم يريدون استبدال السياسة بالإدارة، والحقوق بالمشاريع الاقتصادية، والسيادة وحقّ تقرير المصير بالوصاية، مع إقصاء الفلسطيني عن تقرير مصيره. وتتلخّص هذه المخاوف كلّها في السؤال الذي افتتح الورشة، وهو: هل انتهت تضحيات قرن من الزمان من الشعب الفلسطيني، بأن يُعاد تعريف مستقبل غزة ضمن مشاريع للاستثمارالاقتصادي؟ تساؤل ناقشه المتحدثون في مداخلاتٍ افتتحها، من خيمة في غزة، وعبر الإنترنت، الباحث طلال أبو ركبة، الذي استهلّ حديثه بالدعوة إلى نقاش طبيعة إعادة الإعمار التي يحتاج إليها الفلسطينيون، وهل هي عملية تشمل البنية التحتية والمستشفيات والأبنية السكنية فقط؟ أم أنهم يحتاجون، وفق أبو ركبة، إلى عملية إعادة إعمار سياسي وبناء عقد اجتماعي، على اعتبار أن الحرب الإسرائيلية على غزة، قديمة، وقد استهدفت العقل والوعي الجمعي الفلسطيني منذ انتفاضة عام 1987، عبر تبني سياسة شقّ الصف الفلسطيني. وفي هذا السياق، دعا أبو ركبة إلى "التكامل بين التخطيط العمراني وإصلاح مؤسسات الدولة وفق المتطلبات الفلسطينية، وعلى قاعدة بناء الثقة، كوحدة للجماعة الفلسطينية، وليس كجماعات منفصلة فقدت الاتفاق". وحملت مداخلته تحذيراً من أن المقاربات القطاعية أو التجزيئية لا تؤدي فقط إلى نتائج منقوصة، إنما إلى تبعية، مستعرضاً كيف تجعل مخططات اليوم التالي من القضية الفلسطينية قضية استثمارية "تُحوِّل الفلسطيني من مواطن إلى عامل خاضع، والحقوق الفلسطينية إلى خدمات مشروطة". الفلسطيني مجرّد متابع لخيارات يكتبها له الآخرون وقرأ أبو ركبة الخصوصية الفلسطينية في ثلاث نقاط، هي: واقع استمرار النزاع، ما يعني إمكانية أن تتحول إعادة الإعمار، تحت شرط النزاع، إلى أداة من أدوات التحكم والسيطرة، ولتصبح إدارة المعاناة الإنسانية، بديلاً عن معالجة الأسباب، وهي الاحتلال، مع خطورة تحييد سؤال العدالة. وفي هذا السياق، دعا إلى "رفض الخطط التي تُغيِّب سؤال الاحتلال"، كي لا تتحوّل إعادة الإعمار من عملية تعليم وبناء ذاكرة إلى عملية "محو". وعرض رؤيته لإعادة الإعمار على أنها "مقاومة مدنية، لا تفترض نهاية الحرب، ولا تفصل الإعمار عن التحول الوطني". وفي مداخلته، أشار الباحث يوسف جبارين إلى أن ما طرحه ترامب قد بدأ العمل عليه، أساساً، منذ الأسابيع الأولى التي تلت 7 أكتوبر، في مراكز الأبحاث الإسرائيلية أو الأميركية المموّلة من قبل إسرائيل، وكان التفكير يدور في إطار "إكمال ما لم يكتمل عام 48 في إيجاد حل جيوسياسي نهائي للقضية الفلسطينية". وهو أمر لم يكن ممكناً من دون تحقّق شرطين، هما: إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره، وهدم المدن والعمارة الفلسطينية، من مساجد ومستشفيات وأبراج سكنية. ورأى جبارين أن نجاح خطط اليوم التالي كان مرتبطاً بنجاح هذين الشرطين معاً، وهو ما حكم استمرار حرب الإبادة لعامين. ولم يكن ما أعلنه ترامب أفكاراً معزولة، بل أفكار مترابطة ومؤسّساتية، تبنّتها الإدارة الأميركية، في مقابل مخططات أخرى، مثل المخطط المصري الذي يحفظ حق تقرير المصير، وكذلك المخطط الفرنسي ومخطط السلطة الفلسطينية. وفي قراءته لقبول المخطط الإسرائيلي، رأى جبارين أنه يؤسّس لـ"منظومة سياسية جديدة، لم تُعهد من قبل، تضمن استمرار الهيمنة عبر السيطرة الكلّية، مع نظرة اقتصادية أميركية تقوم على تحويل غزة إلى عقارات تحت الملكية الأميركية". ويأتي ذلك ضمن إطار نظري تحكمه مبادئ "الليبرالية الجديدة"، وتقوم على الحد من "التطرّف"، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة بلديات، مع إزالة العسكرة، وحتى على صعيد العمران وتخطيط المدن، أشار جبارين إلى اعتماد مفاهيم هوسمان في التخطيط العمراني، بما يسهّل السيطرة على المدن، من خلال اعتماد شوارع عريضة يسهل اقتحامها. واختُتمت مداخلات الورشة الأولى بمداخلة الباحثة البريطانية ماندي تيرنر، التي استهلّت حديثها بالبعد الإنساني، معتبرة أن اللحظة الفلسطينية الراهنة هي "أخطر لحظة يمرّ بها الفلسطينيون وحقوقهم منذ نكبة عام 1948". وقارنت، في مشاركتها، فرصة إعادة الإعمار في غزة بتجارب أخرى، استناداً إلى خبرتها التي تمتد إلى أكثر من 25 عاماً في العمل في مجال إعادة الإعمار بعد النزاعات. تحول إعادة الإعمار من عملية بناء ذاكرة إلى عملية محو وجاءت مداخلتها في إطار تحذيرها من الإدارة الاستعمارية لعملية إعادة الإعمار، التي تضمن منع نشوء مقاومة، واعتماد رأسمالية الكوارث، سياسةً اقتصادية قرأتها على ضوء التجربة العراقية بعد عام 2003، مبيّنة كيف أُقيمت إدارة انتقالية بدعم من القوة الدولية، ما أدى إلى الحرب الأهلية والفقر ونزع الملكية العراقية الاقتصادية. وفي هذا السياق، رأت تيرنر أن الخطر الأساسي في عملية إعادة إعمار غزة يكمن في "غياب حق تقرير المصير، وغياب الدور الفلسطيني والمجتمع المحلي في غزة"، محذّرة من أن القطاع قد يتحوّل إلى مثال جديد على رأسمالية الكوارث، كما حدث في العراق وأفغانستان، واقترحت بديلاً في "تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم". وفي مداخلات الحضور، حضرت تساؤلات يائسة عن إمكانية عربية أو فلسطينية، لمواجهة ما يُخطَّط له، حيث الفلسطيني مجرّد متابع لخيارات يكتبها له الآخرون، في مشاريع اليوم التالي، التي تقتصر على أسئلة: كيف نُهجِّر الفلسطينيين، وكيف نحمي إسرائيل؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows