Arab
تمرّ اليوم الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 في مصر، محمّلة بمشاعر متناقضة لدى من عاشوا التجربة، بين خوفٍ معلن، وامتنانٍ صامت، وذاكرةٍ مثقلة بما لم يكتمل. في أحاديث متفرقة مع مشاركين ومتابعين للثورة، تتشكل صورة إنسانية لجيل لا يزال عالقًا بين الحلم الذي وُلد في الميادين، والواقع الذي فرض مسافة قاسية بين الذاكرة والتعبير.
بقدر من التردد، قالت سارة مصطفى في ذكرى الثورة: "لا أدري إن كان خوفًا أو هروبًا.. لأفترض أنه الخوف؛ فإنه مركب، أوله إحساس داخلي يجعلني أرفض الاستسلام للذكريات واستعادة الحلم والألم، وآخره خوف من المساءلة القانونية، فلا أجرؤ حتى على مجرد إعادة نشر صورة أو تدوينة". وتضيف سارة المقبلة على عامها الأربعين، أنها تتنصل حتى من الحكاية عن الثورة أمام أبنائنا والجيل الأصغر منها، وتقول إنها "تخشى عليهم أن يمسّهم الحلم، أو أن ينشغلوا بالأوضاع السياسية، أو أن يلهمهم الحديث عنها على نحو يجعلهم يشتبكون في جدال سياسي في المدرسة أو النادي أو في أي سياق آخر".
سارة، لم يكن لديها أي نشاط سياسي، لا قبل الثورة ولا بعدها، لكنها شاركت في الثورة بدافع "وطني خالص" حسب قولها، وتخشى من تكرار تلك التجربة مع أبنائها، خصوصًا في ظل الأوضاع السياسية المضطربة داخل مصر وخارجها، معلنة: "لن أسمح لأبنائي بأن يشاركوا في أي فعاليات سياسية، ولا حتى يتحدثوا في السياسة أو يفهموها".
في مشهد آخر، وعلى النقيض من الصمت الحذر، يطارد شعور الامتنان الدائم للثورة ذاكرة أحمد عبد الجواد، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، شارك في احتجاجات يناير/ كانون الثاني في أثناء دراسته الجامعية. يصف عبد الجواد الثورة بأنها "جرح لا يندمل"، يمتد من الماضي إلى الحاضر، ويظهر أحيانًا في الكوابيس. يقول إنه "ممتن للثورة باعتبارها تجربة إنسانية ووطنية استثنائية، رغم اعترافه بأنها انتهت بهزيمة ثقيلة". ويضيف أنه "يشعر بالشفقة تجاه من سيعيشون أعمارهم كاملة من دون أن يختبروا ما يسميه حلاوة تلك التجربة ومعنى الوطنية الحقيقي"، معتبرًا أن الخسارة لا تلغي قيمة ما جرى.
هذا الإحساس يجد صداه في ما كتبته أروى صالح في كتابها "المبتسرون" الصادر عام 1995، حيث توقفت عند ما وصفته بـ"سذاجة الحلم"، تلك السذاجة التي قد تثير الابتسام لاحقًا لدى من عاشوها. غير أن صالح ترى أن القسوة الحقيقية لا تقع على من خاضوا التجربة وخسروا، بل على أجيال لم تُتح لها الفرصة أصلًا لأن تحلم أحلامًا كبيرة. تشير الكاتبة إلى أن "الحلم لم يكن سرابًا كاملًا كما حاول البعض تصويره لاحقًا، بدافع التنصل من الماضي أو رد الفعل على ما اعتبروه غرورًا سابقًا، بل كان جزءًا من التاريخ، وفيه أشياء حقيقية يصبح التفريط فيها إهدارًا مضاعفًا، لأن الهزيمة جاءت سهلة ومهينة". هذا المقطع، وفق عبد الجواد، يعبّر بدقة عمّا يشعر به اليوم تجاه الثورة وذكراها.
في ذكرى الخامس والعشرين من يناير، تعود الذكرى لدى محمد إبراهيم مقرونة بقضية السجناء السياسيين. يقول إبراهيم: "جميعنا أحببنا يناير بصدق، لكنهم وحدهم دفعوا الثمن غاليًا. بالنسبة إليه، لا فرق بين الكلام أو الصمت عن الذكرى ما دام الآلاف خلف القضبان"، معتبرًا أن "الخوف الحقيقي ليس من التذكير، بل من ترك هؤلاء في مواجهة النسيان المتعمّد". ويربط إبراهيم بين إحياء الذكرى وواجب التذكير الدائم بقضية السجناء السياسيين، داعيًا إلى الكتابة ونشر الصور ومقاطع الفيديو، ليس من باب الحنين، بل بوصفه فعلًا مرتبطًا بالحاضر.
يتعامل إبراهيم مع ذكرى الثورة من منظور واقعي، بعيدًا عن استعادة الماضي. يقول: "بما أن الثورة لم تعد إلا ذكرى، والباقي منها مجموعة من السياسيين المخلصين الذين واصلوا الدفاع عن مطالبها، فلا يحق لنا إحياء الذكرى دون التذكير بمن حاولوا المواصلة وانتهى بهم المطاف في السجون".
وعلى بعد آلاف الأميال، في القارة العجوز، تمر الذكرى ثقيلة أيضًا على نشطاء سياسيين اضطروا إلى مغادرة مصر بسبب الملاحقات الأمنية. تقول "س. م"، التي فضّلت الاكتفاء بالأحرف الأولى من اسمها، إنها تتعمد الهروب من الذكرى في هذا اليوم وتنشغل بأعمال المنزل، وتقضي ساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون، ممسكة بهاتفها المحمول، تبرم صفقات شراء إلكترونية تصفها بأنها بلا جدوى. تقول إن الشراء بالنسبة إليها ليس رغبة حقيقية، بل وسيلة للهروب من ثقل الذاكرة.
وتضيف أن زوجها، وهو ناشط سياسي سابق أيضًا، يهرب بطريقته الخاصة، بالخروج من المنزل وقضاء وقت طويل خارجه بصحبة طفليهما. تعلما معًا، على مدار السنوات الماضية، أن تمر ذكرى الثورة بهذا الشكل، باعتباره أقل إيلامًا من المواجهة المباشرة مع الذكريات. غير أن العامين الأخيرين كانا أكثر ثقلًا، في ظل استمرار الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. تقول: "نحمل في قلوبنا هم الوطن مصر، وهم الوطن العربي، وفي القلب منه القضية الفلسطينية".
تزامن ذكرى يناير/ كانون الثاني مع الحرب على غزة أعاد لدى كثيرين الإحساس بتشابك القضايا، وبأن الذاكرة السياسية لا تنفصل عن السياق الإقليمي الأوسع. بين الخوف والامتنان، بين الصمت والكلام، وبين الداخل والمنفى، تتشكل ذكرى ثورة 25 يناير/ كانون الثاني بوصفها تجربة إنسانية مستمرة، لا تُختزل في يوم واحد ولا في سردية واحدة، بل تعيش في تفاصيل شخصية، وذاكرة جماعية، وواقع لم يُغلق ملفه بعد.

Related News
بري لفتح قنوات التواصل بين عون و«حزب الله»
aawsat
33 minutes ago
ترمب يحمل الديمقراطيين مسؤولية أحداث مينيابوليس
aawsat
44 minutes ago
طفل يتيم جدّاً
alaraby ALjadeed
47 minutes ago