Arab
لطالما درسنا طلّاباً في كتب العلاقات الدولية عن دافوس (في سويسرا) وبورتو أليغرو (في البرازيل) معاً. الأولى رمز العولمة الليبرالية، والثانية رمز مقاومتها الاجتماعية. كانتا تُقدَّمان قطبَي جدل عالمي يوازن أحدهما الآخر. أما اليوم، في "دافوس 2026"، يقف العالم أمام العودة الكبرى للمنتدى (مقارنةً بدائرة مغلقة من رواد العولمة فترة طويلة)، وسط حضور قوي لرؤساء الدول وكبار المديرين ورجال الأعمال وصنّاع القرار الاقتصاديين، في مكان منعزل حيث يمكنهم استنشاق الهواء النقي في الجبل السحري، شديد التأمين، إذ تباشر النُّخبة الأعمال في الصالات الخاصّة بقصر المؤتمرات أو في سرّية الفنادق الفاخرة التي تصطفّ في طول نزهات الشارع الرئيس للمحطة السويسرية.
هؤلاء كلّهم أتوا. كانوا جميعاً هناك، بينما غاب الخصم الرمزي: طقس المعارضة المنظّمة الذي كان يرافق المنتدى في سنوات سابقة، "بورتو أليغرو"، منتدى الحركات الاجتماعية وقوى الضغط العالمية. فقد بدا اليسار العالمي بأطيافه النقابية والبيئية شبه غائب من المشهد، لا نراه في الشارع ولا في الخطاب الموازي. لا يعكس هذا الغياب تراجع القدرة التنظيمية لهذه التيارات فحسب، بل يكشف أزمةً أعمقَ في قدرتها على تقديم سردية بديلة متماسكة للنظام النيوليبرالي، وما يحوّل النقد من حركة اجتماعية ضاغطة إلى مجرّد اعتراضات فردية متناثرة لا تساعد في تحويل الأولويات نتائجَ ملموسة. وهكذا يفقد المنتدى جزءاً من توتّره الجدلي الذي كان يمنحه معنى إضافياً، ويصبح الحوار أكثر نخبويّة وأقل احتكاكاً بالصوت الاجتماعي العالمي.
وسبق انعقاد المؤتمر صدور تقرير "أوكسفام" السنوي حول اللامساواة، الذي أشار إلى الارتفاع المتواصل في أعداد الأثرياء وتراكم الثروات في أيدي أقلية ضيقة. غير أنّ التقرير، رغم صخبه الإعلامي، بدا هذا العام أقرب إلى طقس شكلي يتكرّر أكثر ممّا يشكّل صدمةً حقيقية. فالأرقام باتت مألوفةً، والاستنتاجات متوقّعةً، وردّات الفعل السياسية محدودة. وهنا تكمن المفارقة في تقرير يُفترض أن يكون أداة مساءلة أخلاقية للنظام الاقتصادي، فيتحوّل ملحقاً إحصائياً يسبق مؤتمر دافوس. وهكذا يُعاد إنتاج خطاب التنديد بالتفاوت الاجتماعي في إطار احتفالي نخبوي؛ إذ يُدان تراكم الثروة داخل قاعات يهيمن عليها صانعو هذا التراكم أنفسهم. وهو ما يعكس حدود النقد حين لا يقترن بإرادة سياسية قادرة على تحويل الأرقام سياساتٍ، ويتحوّل مؤتمر دافوس حواراً بين من يملكون القرار ومن يتجادلون حول كيفية الحفاظ عليه.
انتقل الملفّ الأوكراني من قضية تضامن مبدئي لوقف الحرب إلى معادلة مصالح متشابكة تفرض إعادة التفكير في مقاربات الحل والدور الأميركي والأوروبي فيها
الدرس الآخر الذي يمكن استخلاصه للمدافعين عن ميزة إظهار قيمة خطابهم في الدفاع عن مصالحهم ومعارضتهم كل ما يسيء لمبادئ السلامة الإقليمية والسيادة الوطنية وحقّ تقرير المصير ومبادئ القانون الدولي، يظهر في وقت تتصاعد فيه التوتّرات بين الولايات المتحدة وأوروبا على خلفية محاولات الاستيلاء على غرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتّع بالحكم الذاتي والغني بالمعادن والهيدروكربونات، تماشياً مع نزعة الرئيس دونالد ترامب الهوبزية في اختبار القوة بعد التدخّل في فنزويلا، وتحرّر الطور العقاري.
كان التدخّل الترامبي في المؤتمر سافراً؛ احتكر النقاشات الأخرى حول ضعف النمو العالمي والتضخّم والدين العام وأسعار الفائدة المرتفعة واحترام الأنظمة السياسية وسبل التنمية وتقاسم أرباح التكنولوجيا، وأثار الاستياء العام في تصريحاته، وتقرير مصالحه في قضايا الرسوم الجمركية مع الاستفزاز المباشر لأوروبا، التي تدافع عن منطق التعدّدية والمؤسّسات، ملتزمةً بالسيادة الوطنية، وكذلك بالأمم المتحدة وميثاقها.
كان يمكن أن يسمح اللقاء في جبال الألب بتوحيد صفوف حلفاء كييف بعد أربع سنوات على الغزو الروسي واسع النطاق، لا أن تكون أوكرانيا الضحية الأولى للمواجهة متزايدة الوضوح بين واشنطن وشركائها الغربيين. وقد اعترف فولوديمير زيلينسكي أنه تخلّى عن الذهاب إلى مؤتمر دافوس، إذ كان يأمل في مواصلة النقاشات مع إدارة ترامب، ما يعكس انتقال الملفّ الأوكراني من قضية تضامن مبدئي لوقف الحرب إلى معادلة مصالح متشابكة تفرض إعادة التفكير في مقاربات الحل والدور الأميركي والأوروبي فيها.
لم يعد المنتدى مساحة لتصميم المستقبل، بل منصّة لإدارة التناقضات
أما الحرب في غزّة، فقد شكّلت أحد أكثر الملفّات حساسيةً في المؤتمر، إذ اصطدمت الخطابات الرسمية بشعور عالمي متزايد بعدم التوازن الأخلاقي في التعامل مع المأساة الإنسانية. وفرضت صور الدمار والضحايا نفسها على أجندة الحوار، لتطرح أسئلةً عميقةً حول مصداقية النظام الدولي وحدود القانون الإنساني ومعنى العدالة في عالم تحكمه موازين القوة العسكرية الأميركية. وهنا تحديداً، بدا مؤتمر دافوس أقلّ قدرةً على إنتاج توافق، لكنه كان أكثر قدرةً على كشف التناقض بين القيم الديمقراطية المُعلَنة والممارسات الفعلية لإجبار إسرائيل على وقف عنف الإبادة الجماعية بحقّ الشعب الفلسطيني.
واللافت أنه فيما كانت التوتّرات تتصاعد حول إعادة النظر في العلاقة عبر الأطلسي، وخصوصاً لدى الشركات الأوروبية التي بنت استراتيجيتها على استقرار التحالف الذي يمتدّ 90 عاماً، والمُعرَّض للخطر حين تدير الولايات المتحدة ظهرها لماضيها، كانت الصين تقوم بحملة دبلوماسية ساحرة؛ قدّمت نفسها قوةً موثوقةً ومسؤولةً في مواجهة عدم القدرة على التنبّؤ بسياسات ترامب، ساعيةً إلى طمأنة العالم من خلال خطاب يركّز في العدالة الدولية وانفتاح سوق تضمّ أكثر من مليار ونصف شخص لتقاسم أرباح التكنولوجيا والابتكار. مع ذلك، الرسالة غير واضحة تماماً؛ وقبل أسبوع واحد أعلنت جمارك الصين أكبر فائض تجاري في التاريخ: 1800 مليار دولار (من المتوقّع أن يصل إليها المستشار الألماني فريدريش ميرز في 24 شباط/ فبراير، كما تقرّرت أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ العام 2018 في الأسابيع المقبلة).
ظهر مؤتمر دافوس مرآةً لعالم يتآكل فيه النظام الدولي التقليدي، وتتصاعد فيه النزعات الحمائية والتنافس على النفوذ، ما يعكس أكثر نظاماً عالمياً فقد بوصلته. ومع ذلك سعى في نسخته الحالية إلى تقديم إضافة نوعية تتمثّل في إعادة الاعتبار للحوار، للحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحةً أداةً لإدارة الفوضى العالمية.
ظهر "دافوس 2026" مرآةً لعالم يتآكل فيه النظام الدولي التقليدي، ويتصاعد فيه التنافس على النفوذ
لم يعد المنتدى مساحة لتصميم المستقبل، بل منصّة لإدارة التناقضات. حتى النقاش حول الذكاء الاصطناعي لم يعد احتفالياً، بل بات يلامس مخاطر البطالة الرقمية وهيمنة الشركات الكبرى وأخلاقيات القرار الخوارزمي، في وقت لا تحقق فيه 56% من الشركات أيَّ عائد من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي بسبب نقص الأسس التأسيسية، كما أنّ قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث ثورة في الصناعات لم تعد احتمالاً نظرياً، فهي محرّك القوة الأميركية المطلقة، وفي مرتبة قدرتها العسكرية نفسها، كما أن قضايا المناخ والطاقة لم تُطرح بوصفها تحدّيات مستقبلية، بل أزمات حاضرة تهدّد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
مع ذلك، مجرّد جلوس الأطراف في فضاء واحد للحوار يبرز إحدى الإضافات النوعية للمؤتمر: تحويل الخلافات من مواجهة صامتة إلى نقاش علني قابل للإدارة. والحوار، مهما بدا هشّاً، بات آخر خطوط الدفاع عن الحل الوسط الذي لم يعد يعمل، ويجب على القوى المتوسطة أن تعمل معاً. فمسؤولية عالم أكثر توازناً لا يمكن أن تقع على شخص لوحده أو دولة لوحدها. وإلا فيمكن للقوى العظمى أن تعمل بمفردها ولديها السوق والقدرة العسكرية على إملاء شروطها.
أعلن "دافوس 2026" عفوياً أن النظام العالمي القديم انتهى، وأن الجديد لم يُولد بعد، في مرحلة مليئة بالشكوك. وما بين الاثنين نُخب تتحدّث، وعالم يتفكّك.

Related News
بعد حمزة عبدالكريم.. «جوهرة» مصرية جديدة على أعتاب إسبانيا
al-ain
11 minutes ago
مجلس الأمن يصوّت لإنهاء مهمة بعثة «أونمها» في اليمن
aawsat
12 minutes ago
المقاومة الثقافية.. الصمت الأكثر كثافة من الكلام
alaraby ALjadeed
17 minutes ago
السلطات الإيرانية تعتقل مصورين صحافيين
alaraby ALjadeed
17 minutes ago