Arab
يمثّل حضور الماء في الرواية العربية مساحة رمزية تُقاس عليها حياة الإنسان، وتُعاد عبرها كتابة علاقته بالمكان. فالماء، في المخيّلة السردية أداة وجودية أكثر من مجرد عنصر طبيعي، ويُعاد عبره التفكير في الحياة والموت، وفي الجذور التي تربط الإنسان بمكانه. وضمن هذا الإطار، نقرأ رواية "حلم على نهر" (دار العين، 2025)، للكاتب المصري جار النبي الحلو، والتي تتتبّع سيرة رجل بسيط، يُدعى سيّد، الذي يختنق في زحام الحارة القديمة في المحلّة الكبرى، فيتعلّق بحلم صغير: بيت على ضفّة النهر، بيت بَعيد عن ضوضاء السوق ورطوبة الأزقّة.
يبدو الحلم بداية عادياً لرجل يريد توسعة رزقه وطمأنينة بيته، لكنه سرعان ما يتحول إلى رحلة طويلة لا تختلف كثيراً عن الأساطير التي ترسم مصيراً للإنسان قبل أن يعرفه. يظهر لسيد "جنّي فضّي" يخرج من المياه، كأنه علامة على عبور داخلي يشق طريقه ببطء. ومعه يبدأ سيد بتحقيق الحلم: يشتري الخشب ويبني البيت ويغرس أشجار تمر حنّة، ويخطط لمستقبل جديد لزوجته جميلة وأطفاله.
يبني الكاتب شخصياته من لحم الحياة اليومية. سيّد ليس بطلاً بـ المعنى الروائي التقليدي، بل رجل يسعى ويخيب ويعاود السعي. إلى جانبه تظهر جميلة الزوجة التي تشكل عمود البيت، وزينهم الفلاح الطيب، وأبو سعدة الصديق الذي يرافق سيد في لحظات الأمل. تنتمي هذه الشخصيات لعالم اجتماعي مرتبط بالسوق والحقول، عالم تنحته التفاصيل الصغيرة. غير أن النهر، كما يصنع العطاء، يصنع الخراب أيضاً. تنهار الجدران في أول فيضان، ويعود سيّد إلى الحارة مثقَلاً بالخيبة، لكنه لا يتخلّى عن حلمه. تتكرّر المحاولة، وتتكرر معها الهزيمة، إلى أن يصبح الحلم نفسه نوعاً من البقاء الداخلي، لا غاية معمارية. ترصد الرواية، عبر هذا المسار، التحولات العميقة في المكان: من حارة صغيرة يسيطر عليها الفلاحون والباعة، إلى مدينة تختنق بالتحديث الفوضوي.
يعكس النهر في رواية الحلو قدرة الإنسان بين الحلم والواقع
إلى جانب رؤية جار النبي الحلو في قراءة الماء، يمكن استحضار، أيضاً، تجربة العُماني زهران القاسمي في روايته "تغريبة القافر" (دار رشم، 2022)، التي تبدو متقاربة مع "حلم على نهر" من حيث الانطلاق من الماء بوصفه مركزاً للحكاية ومُحرّكاً للقدر، لكنهما تختلفان في الكيفية التي يتحوّل بها هذا الماء إلى سرد، وفي المصير الذي يصنعه لكلّ من البطلين. إذا كان الماء عند الحلو مهداً لحُلم يراود بطله في الهرب من ضيق الحارة إلى فُسحة نهر، فإنه عند زهران القاسمي يتحوّل إلى قوة غامضة تُلاحق البطل منذ ولادته، وتحدّد شكل حياته بالكامل. كِلا العملين يضع الماء في القلب، لكنّه ماء يتّخذ وجوهاً متعدّدة: ماء للحياة، وماء للخصب، وماء للفقد، وماء للموت.
تُقدّم "تغريبة القافر" سرداً أكثر أسطورية والتصاقاً بالماء، مع شخصية سالم بن عبد الله، أو "القافر"، حيث يولد على حافة الماء: أمّه تموت غرقاً لحظة ولادته، وأبوه يُدفن تحت قناة فلج، ليصبح الطفل معلّقاً بين موتَين مائيّين. منذ طفولته، يكتشف أهل القرية أنه قادر على "استنطاق الماء"، وسماع خفقانه تحت الأرض، فيتعاملون معه بوصفه مخلوقاً منسوباً إلى الماء، بل وريثاً لسرّ الأفلاج العمانية القديمة. ولا يعود "التغريب" مقتصراً على القافر وحده، بل يشمل المجتمع كله: فالجميع يعيش غربته عن الماء رغم قربه منه، لأن الماء هوية ثقافية مرتبطة بالأرض والفلج والطقوس القديمة.
تتصاعد الحبكة حين يتحول القافر إلى مقتفٍ لخطوط الماء في القرى، ويعرف أين يختبئ وكيف يُستخرَج. لكنه يصبح أيضاً شاهداً على التوتر بين نمط عيش يقدّس الماء، ونمط آخر حديث لا يكترث لحرمة الأرض. المياه التي صنعت مكانته هي نفسها التي ستسجنه في النهاية حين يُحشر في قناة ضيقة، وسط ظلام دامس ورطوبة قاتلة، ليكمل تغريبته الكبرى: ماء يخلقه، ويطارده، ثم يبتلعه.
بهذا يبدو الماء في السرد العربي الحديث قوة تُعيد تشكيل الكائن والمكان معاً. فحين يتدفّق، يفتح باباً للحلم، وحين ينحسر، يكشف هشاشة الإنسان أمام الطبيعة التي تحكمه من حيث لا يدري. في كل قصة يظهر الماء لا يكفّ عن استدعاء الماضي، وعن دفع الشخصيات إلى مواجهة ما تهرب منه. وكما تتبدّل حالاته بين السكون والجريان، تتبدّل معه مصائر البشر الذين يطلّون عليه، أو يغوصون فيه، أو تحاصرهم سطوته.

Related News
مدرب ضمك: ليس من السهولة الحصول على كل ما نريد
aawsat
5 minutes ago
مخزونات الغاز في ألمانيا الأدنى في 5 سنوات
alaraby ALjadeed
15 minutes ago
اليمن يشدد رقابة الوقود المخصص لمحطات الكهرباء
alaraby ALjadeed
15 minutes ago