الانقلاب على العالم
Arab
3 days ago
share
ما كان قبل أشهر ضرباً من الخيال ومثار تندّر، أصبح اليوم واقعاً مفروضاً على العالم. الحديث هنا عن "مجلس السلام" الذي ابتكره الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال "وساطته" لإنهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ... حينها كان لهذا المجلس مهام محصورة بالإشراف على وقف العدوان وإعادة إعمار القطاع، غير أن الرئيس الأميركي بدأ رويداً رويداً بتوسيع المهام المنوطة بهذا المجلس، افتراضياً، ليتحوّل في ذهن ترامب إلى ما يشبه "مجلس حكم العالم"، على أن يكون هو رئيسه. ومن الواضح أن الرئيس الأميركي بدأ يتصرف على هذا الأساس، ويوزع أوامره ونصائحه شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. أول هذه الأوامر اليوم السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك. الأمر الذي يصرّ عليه بشكل كبير وصلف، حتى إنه خصّ له الجزء الأكبر من خطابه في منتدى دافوس في سويسرا. لم يتقبل ترامب الرفض الأوروبي لطلبه، حتى من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة، أي بريطانيا، التي خرج مسؤولوها في انتقاداتٍ غير مسبوقة للإدارة الأميركية. فخلال الخطاب نفسه، ورغم استبعاده العمل العسكري للسيطرة على الجزيرة الدنماركية، حذّر الأوروبيين من أن الولايات المتحدة لن تنسى رفضهم هذا، ما يعني أن عواقب ستترتب على القارّة العجوز. من الواضح أن الأوروبيين، وأخيراً، بدأوا يستشعرون الخطر القادم من الغرب الأميركي. وللمرة الأولى، منذ زمن بعيد باتت المواقف الأوروبية متقاربة في مواجهة المطامع الترامبية، والتي لم تستطع حتى بريطانيا تقبلها، وها هي اليوم، أسوة بعديد من الدول الأوروبية، ترفض التوقيع على وثيقة تأسيس "مجلس السلام". لكن أوروبا وحدها لن تكون كافية لمواجهة مشروع ترامب مع توسّع القناعة بأن "مجلس السلام" هذا لن يكون مؤقتاً فقط، ولن يكون خاصاً لغزّة أو أوكرانيا أو غيرها من مناطق النزاعات، وهو ما يروّجه المسؤولون الأميركيون القريبون من ترامب، فالخطّة، بحسب التقديرات، هي ما يشبه الانقلاب على النظام العالمي، ورسم نظام آخر على حسب أهواء دونالد ترامب. فالرئيس الأميركي، ومنذ ما قبل وصوله إلى البيت الأبيض في الولاية الثانية، رافض للشراكة مع الآخرين في رسم السياسات الدولية. إنه يرى الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والتي ينبغي للجميع الخضوع لقراراتها. وهذا ما يوضحه بشكل دائم في خطاباته الكثيرة والطويلة، ويغمز دائماً من قناة القارّة الأوروبية، والتي يعيّرها بأنها لا تستطيع حماية نفسها لولا وجود الولايات المتحدة. وهذا أيضاً ما ألمح إليه في حديثه عن السيطرة على غرينلاند، إذ اعتبر أن إعادتها إلى الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية كان خطأ كبيراً. وفق هذا المنطق، الرئيس الأميركي غير معجبٍ بتجربة الأمم المتحدة وتوزيع النفوذ داخلها بين الدول الخمس الكبرى، والتي يراها أضعف من أن يتشارك معها في صياغة أي قرار على مستوى العالم. هو يريد منظمة "دولية" خاضعة كلياً للإدارة الأميركية، ووجد ضالّته في "مجلس السلام"، والذي على من يرغب من الدول في الانضمام إليه دفع مليار دولار للولايات المتحدة، وليس غيرها. فهو يرى أن الولايات المتحدة أوْلى بالأموال التي تحصل عليها الأمم المتحدة من الدول الأعضاء. على هذا الأساس، بات هناك شبه يقين أن ترامب يسعى إلى تهميش الأمم المتحدة، وتأسيس نظام عالمي جديد يرسخ الهيمنة الأميركية. فهو يرى أن مرحلة حكمه مفصلية في العالم، تماماً مثل الحرب العالمية الأولى التي نجمت عنها "عصبة الأمم"، والحرب العالمية الثانية التي تأسّست بعدها الأمم المتحدة. وها هو اليوم يقود انقلاباً على العالم لترسيخ "مجلس السلام".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows