تحالف باكستان وتركيا والسعودية: شراكة استراتيجية في زمن الأزمات
Arab
3 days ago
share
في خضم التقلبات العميقة التي تشهدها المنطقة بشكل خاص والنظام الدولي بشكل عام، مع عودة فكرة تشكيل تحالفات جديدة، أصبحت قضية تشكيل تحالف ثلاثي وشيك بين باكستان وتركيا والسعودية من أبرز الملفات المهمة في المنطقة خلال المرحلة الراهنة. هذا التحالف، الذي لا يزال في طور المشاورات المتقدمة، لا ينظر إليه كتفاهم أمني آني أو من أجل ظرف خاص ولفترة مؤقتة، بل كمحاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية من أجل مواجهة التهديدات المشتركة التي تواجهها باكستان وتركيا والسعودية والعالم الإسلامي بشكل عام. وكان وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حيات هيراج قد أعلن، في 15 من الشهر الحالي، في تصريح صحافي، أن مسودة تحالف دفاعي بين باكستان وتركيا والسعودية قد أُنجزت بعد نحو عام من المفاوضات، وأن المشاورات لا تزال جارية للوصول إلى توافق نهائي يمهد للتوقيع الرسمي، مؤكداً أن هذا التحالف يختلف عن اتفاقية الدفاع المشترك الثنائية التي وقعتها باكستان مع السعودية العام الماضي، من دون الحديث عما يجعل التحالف الثلاثي مختلفاً عن التحالف الثنائي بين الرياض وإسلام أباد. وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد وقّع مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في سبتمبر/أيلول الماضي، "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، والتي تأتي في إطار سعي البلدين لتعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم". وأوضحت وكالة الأنباء السعودية (واس) وقتها أن الاتفاقية "تهدف إلى تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص هذه الاتفاقية على أن أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما". وأكد شريف، في تصريح صحافي وقتها، أنه بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية أصبحت باكستان شريكاً أمنياً مهماً للمملكة، "وستلعب دوراً محورياً في الدفاع عن أرض الحرمين". وأوضح أنه وفق اتفاقية الدفاع المشترك "يتصور أن أي اعتداء على أي دولة هو اعتداء على الأخرى، ومن ثم يجرى ردع الاعتداء من قبل الدولتين على الفور، وبشكل مشترك وفاعل.   محمد أرسلان خان: تركيا والسعودية دعمتا باكستان منذ نشأتها وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أعلن، في مؤتمر صحافي في 15 الشهر الحالي، أن أنقرة تجري محادثات مع السعودية وباكستان للانضمام الى تحالف دفاعي أقامه البلدان. وقال: "تجرى حالياً محادثات ومفاوضات، لكن لم يتم توقيع أي اتفاق بعد"، مضيفاً أن "رؤية (الرئيس التركي رجب طيب أردوغان) أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً وتهدف إلى إنشاء منصة أكبر". أهمية تحالف باكستان وتركيا والسعودية وتكمن أهمية هذا التحالف المرتقب في الثقل والنفوذ اللذين تتمتع بهما الدول الثلاث، كل في إقليمه وموقعه. فالسعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والديني في العالم الإسلامي، وتلعب دوراً محورياً في أمن المنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، في حين تعتبر تركيا قوة عسكرية وصناعية، ذات حضور مؤثر في الشرق الأوسط والقوقاز، أما باكستان فهي القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي وفاعل رئيسي في جنوب آسيا. ويشير التقارب بين باكستان وتركيا والسعودية وتشكيل تحالف للدفاع المشترك إلى أن التحديات الراهنة، سواء كانت أمنية أو سياسية، لم تعد قابلة للاحتواء عبر سياسات منفردة من قبل كل دولة، بل لا بد من توحيد الصف، وتبني سياسات متشابكة متماسكة. وبينما تعود جذور العلاقات التركية - الباكستانية إلى قيام دولة باكستان عام 1947، حين كانت أنقرة من أوائل العواصم التي دعمت استقلالها واعترفت بها، بل أسهمت في انضمامها إلى الأمم المتحدة، فإن العلاقات الباكستانية - السعودية تطورت بالتوازي على أسس دينية وسياسية وأمنية. وفيما يخص العلاقات التركية - السعودية فهي شهدت الكثير من المد والجذر، وسارت على مسارات مختلفة، من التنافس تارة، والتنسيق تارة أخرى، وصولاً إلى مرحلة التقارب الراهنة، التي كان للتغيرات في المنطقة تأثير كبير في الوصول إليها. ويقول الأكاديمي الباكستاني محمد أرسلان خان، في حديث مع "العربي الجديد"، إن ما يميز العلاقة بين تركيا وباكستان من جهة وبين الأخيرة والسعودية من جهة ثانية، هو عمقها التاريخي واستقرارها السياسي، موضحاً أن أنقرة والرياض دعمتا إسلام أباد منذ السنوات الأولى لنشأتها، وواصلتا دعم الموقف الباكستاني حيال قضية كشمير في المحافل الدولية، وهو ما شكّل أساساً لبناء ثقة استراتيجية تمتد اليوم لتشمل تنسيقاً أوسع. ويؤكد خان أن باكستان النووية وتركيا ذات القوة والصناعة والاقتصاد، عندما تقترن بثقل السعودية السياسي والاقتصادي والديني، لا شك فإن ذلك يمنح التحالف الثلاثي الوشيك قوةً وتأثيراً على الساحة الدولية. ويضيف خان أن باكستان تولي أهمية خاصة لعلاقاتها مع كل من تركيا والسعودية، كما حاولت أن تكون تلك العلاقة بمنأى عن تغير الحكومات والأنظمة السياسية، سواء في إسلام أباد أو أنقرة أو الرياض. ويتابع: ينظر صنّاع القرار في باكستان إلى تركيا كقوة إقليمية عسكرية مؤثرة، وإلى السعودية كداعم محوري يمكن له أن يلعب دوراً ريادياً في المنطقة والعالم الإٍسلامي، وهو ما جعل الجمع بين باكستان وتركيا والسعودية ضمن تحالف استراتيجي خطوة منطقية، خصوصاً في ظل الصراع القائم مع الهند حول كشمير، وتزايد قوة إسرائيل ونفوذها. وعلى الرغم من هذا التقارب المشار إليه، لم تخلُ مسيرة العلاقات بين باكستان وتركيا والسعودية من تباينات في بعض الملفات، لا سيما خلال مراحل سابقة، مثل الحرب الأهلية الأفغانية، حيث اختلفت سياسات أنقرة وإسلام أباد، فالأولى كانت تدعم جبهة الشمال، بينما الأخيرة كانت تدعم حركة طالبان الأفغانية، فيما تبنت الرياض مواقف مختلفة بحسب المرحلة. إلا أن هذه التباينات لم تتحول إلى خلافات بنيوية، وبقيت ضمن هامش الاختلاف السياسي المقبول، من دون أن تؤثر على جوهر العلاقات بين الدول الثلاث. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح تعاون أوسع تتشكّل بين تركيا وباكستان، بدعم سياسي ومعنوي من السعودية، حيث خرجت العلاقات من إطارها التقليدي إلى آفاق شملت التعاون العسكري والأمني وتبادل المعلومات والخبرات التقنية. وتعزَّز هذا المسار أكثر بعد عام 2016، مع توسع المناورات العسكرية، وتوقيع صفقات دفاعية، واستثمارات تركية في البنية التحتية والطاقة داخل باكستان، في وقت حافظت فيه السعودية على دور داعم للاستقرار الاقتصادي والسياسي في إسلام أباد. تطوّر نوعي في هذا الشأن، يقول المحلل الأمني الباكستاني محمد أنور عباس، لـ"العربي الجديد"، إن التقارب الحالي بين باكستان وتركيا والسعودية يشكّل تطوراً نوعياً وتحوّلاً من التنسيق والتعاون والدعم إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، مشيراً إلى أن دعم إسلام أباد للموقف التركي في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، إلى جانب التفاهم السعودي ـ التركي في عدد من ملفات المنطقة، يثبت أن الملفات التي تستدعي أن تتخذ تلك الدول موقفاً موحداً مهمة جداً، وأن فرص التقارب والعمل أكثر وأقوى، مقارنةً بالتحديات والعقبات التي قد تمنع التحالف الثلاثي الوشيك من ترجمة إلى أرض الواقع. محمد أنور عباس: التطورات الإقليمية الأخيرة أسهمت في تسريع التقارب الثلاثي ويضيف عباس أن التطورات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب بين الهند وباكستان، والحرب الإسرائيلية على غزة، والتصعيد ضد إيران، والتدخلات الإسرائيلية المستمرة في سورية، أسهمت في تسريع هذا التقارب الثلاثي، موضحاً أن تنامي النفوذ الهندي والإسرائيلي، وتوثيق التعاون بينهما، دفع الرياض وأنقرة وإسلام أباد إلى تعزيز التنسيق فيما بينها، انطلاقاً من رؤية مشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية والحفاظ على قدر من التوازن الأمني والاستقرار في المنطقة. وحول دلالات هذا التقارب، يقول المحلّل السياسي الباكستاني عبد الله خان، لـ"العربي الجديد"، إن العالم دخل مرحلة التحالفات، وإن التغيرات المتسارعة في المنطقة والعالم تستدعي قيام تحالف إسلامي تقوده دول ذات وزن حقيقي، مثل تركيا وباكستان والسعودية. ويضيف أن التعاون بين أنقرة وإسلام أباد من جهة وبين الأخيرة والرياض من جهة ثانية قائم منذ عقود، لكن المستجدات الإقليمية فرضت الانتقال إلى خطوةٍ أكبر، مشيراً إلى وجود نقاشات متقدمة حول تبادل الخبرات والتكنولوجيا، خصوصاً بين إسلام أباد وأنقرة، لا سيما في مجالات الصناعات الدفاعية والطائرات الحربية والطائرات بلا طيار. ويرى خان أن التحالف بين باكستان وتركيا والسعودية سيواجه الكثير من التحديات، وسيصطدم بتحفّظات قوى دولية وإقليمية، مثل الهند والصين وغيرهما، غير أن وجود دول بحجم باكستان كقوة نووية، وتركيا كقوة عسكرية صناعية، والسعودية كرمز ديني، سيجعل من الصعب تجاهل هذا التحالف أو التقليل من تأثيره، ليس فقط على مستوى الدول المنخرطة فيه، بل على قضايا محورية تهم العالم الإسلامي، وفي مقدمتها فلسطين وكشمير، لكن أن يكون هذا التحالف مؤثراً جداً، فإن هذا الأمر مرتبط بتعامل تلك الدول مع التحالف في المستقبل، والالتزام ببنوده التي قد نتطلع عليها في القريب العاجل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows