Arab
مفهوم أنّهم كانوا في السنوات الأولى التي تلت الانقضاض على ثورة 25 يناير يستنفرون كلّ جيوش الكذّابين وكتبة التقارير الأمنية، لتسميم أجواء الذكرى بكلّ عوادم الحواديت والمُخطّطات وأحاديث المؤامرة الكونية. ولكن ما الذي يجعل لوثتهم الموسمية هذه المرّة، ونحن على بعد 15 عاماً من الثورة المقتولة أشدّ من لوثتهم المُتكرّرة طوال الأعوام الماضية؟. لماذا لا يزالون يتحدّثون عن "يناير" وكأنّها الطوفان الذي يقترب مُتدفقاً ليقتلع كلّ صروح القبح والكذب والبلادة التي بنوها خلال كلّ هذه الأعوام؟ ما الذي يدفعهم هذه المرّة إلى استدعاء مُمثلين رديئين يثرثرون في كلّ الصحف والقنوات التلفزيونية عن أيّ شيء، لكي يحشروا "أهمية تعديل الدستور" في أيّة جملة مفيدة أو غير مفيدة، سوى أنّهم قد قرّروا بالفعل شرعنة الحكم مدى الحياة، وجعل فترات الرئاسة مفتوحةً ومُمتدّةً من القصر إلى القبر، وكذلك التخلّص من أيّ ذكر لثورة يناير في وثيقتهم الدستورية التي فصّلها لهم قانونيون وسياسيون مهرّجون، كانوا يعدّلون النصوص بتعليمات الجيش المُعترض على أنّ مصر حكمها مدني كما روى أحدهم.
انتقلت الحرب الآن من التصويب على كلّ المشاركين في الثورة بمختلف أطيافهم الفكرية إلى مطاردتها في دهاليز الذاكرة الشعبية لاستئصالها من الجذور، بحيث يصبح مجرّد تذكرها تهمة تقود صاحبها إلى السجن، حتى وإن كان خارجاً منه توّاً بعد عشر سنوات في ظلام الزنازين، فما الذي يجعلهم يتصرّفون بكلّ هذا الجنون، إن لم يكن إيمانهم بقدرة هذه الثورة على الانبعاث يفوق إيمان أهل الثورة أنفسهم؟
إنّهم يكرّرون الأكاذيب نفسها مع تكثيف الجرعات عن "يناير" الموضوعة في مرمى الاتهامات إلى الأبد. فداخليّاً أكرّر هنا أن هذه "الينايروفوبيا" تؤشّر على أنّ ثورة المصريين لم تمت، ولا تزال مُخيفة ومُزعجة لمن يناصبونها العداء، وأنّها تبقى حيّةً، قضيةً وحلماً، في وجدان أصحابها، كما القدس والأقصى داخل الوجدان الشعبي الفلسطيني والعربي، تخفت أحياناً في دوائر الاهتمام، حتى نتخيّل أنّها تراجعت ولم تعد القضية الأولى، حتى يأتي حدثٌ يؤجّج الحلم في القلوب والغضب في الصدور، فتهتزّ الأرض تحت أقدام الغُزاة والطغاة.
هي المسؤولة عن كلّ فشل، هي التي بنت سد النهضة وأضاعت حقوق مصر في النيل، وصنعت الخراب، وأضعفت العملة المحلية ورفعت حجم الديْن العام إلى ألف سنة مقبلة، كما أنّها وراء التضخّم والكساد والغلاء والجوع والفقر والمرض، والكوارث الطبيعية والصناعية وحوادث القطارات وانهيار الكباري الجديدة والإرهاب وتلوّث الغذاء وشحّ الدواء وفضيحة الأداء المُهين لمنتخب كرة القدم في البطولة الأفريقية بالمغرب.
وعلى مستوى الخارج، هي سبب توحّش الكيان الصهيوني وتوغله في البلاد العربية، وهي المسؤولة عن مأساة غزّة، وليس مهمّاً هنا أنّ كلّ حقائق التاريخ تؤكّد أنّ عام الثورة كان العام الذي أصاب الصهاينة بالغم والقلق، وأنّهم لم يفكّروا في أن يكونوا قادة الشرق الأوسط إلا بعدما اطمأنوا إلى أنّه جرى القضاء عليها في العام 2012، ولم يبخلوا على الذين أضرموا النار فيها بالدعم المباشر وغير المباشر.
مرّة أخرى، هذا الاحتشاد المجنون لاحتلال الذاكرة الشعبية بأكاذيب عن الثورة يُدين أهل يناير الذين ما زالوا لا يمتلكون رواية موحّدة صحيحة لها، ويتنازعون الفضائل والمزايا، ويكذبون على أنفسهم، وعلى التاريخ، فتأخذ الذكرى شكلاً كربلائيًا يليق بمهزومين يتناوبون لطم وجه التاريخ وتلوينه بمساحيق الابتذال والسرد الملوّث بكلّ عودام الاستقطاب والإقصاء.
مؤسفٌ أن تستمر السباحة في مستنقع "الأنا والآخر"، ونحن نتحدّث عن ثورةٍ كان فيها "الكل في واحد" بينما ينفرد أعداء هذه الثورة بالرواية الكذوب عنها، ويعملون كلّ أدواتهم وأسلحتهم في سحق الذاكرة واحتلالها، تماماً كما يفعل الصهيوني في فلسطين.

Related News
في باب الذاكرة والحاضر ولون قلم المؤرخ
alaraby ALjadeed
7 minutes ago
التحسن وصل إلى المطبخ.. أخبار سارة في مانشستر يونايتد
al-ain
24 minutes ago
وصول التوأم الملتصق الفلبيني «أوليفيا وجيانا» إلى الرياض
aawsat
27 minutes ago