نازحو عفرين شمالي سورية على طريق العودة... نهاية 8 سنوات من التهجير
Arab
6 days ago
share
بعد نحو ثماني سنوات من التهجير القسري، بدأت عائلات مهجرة من مدينة عفرين في محافظة حلب شمالي سورية مغادرة مخيمات مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال شرقي البلاد، متجهة نحو مناطقها الأصلية، في أولى دفعات العودة التي تأتي تطبيقاً لبنود الاتفاق الموقع بين الرئاسة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والذي نصّ في أحد بنوده على العمل للتوصل إلى تفاهمات تضمن العودة الآمنة والكريمة لأهالي عفرين إلى مناطقهم. عودة طال انتظارها، أنهت سنوات من القلق والترحال، وفتحت باب الأمل أمام مئات العائلات التي أنهكها النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية داخل المخيمات، في وقت أعلنت فيه محافظة حلب مباشرة تنفيذ عملية إنسانية لإعادة نحو مئة عائلة من مخيمي آزادي وآشتي في مدينة الطبقة، استجابة لنداءات الأهالي المتكررة. ومنذ عملية "غصن الزيتون" التي أطلقتها تركيا بالتعاون مع "الجيش الوطني السوري" عام 2018، تحولت مدينة الطبقة إلى إحدى الوجهات الرئيسية لعائلات عفرين المهجرة، بعد محطات نزوح متعددة شملت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب ومناطق متفرقة من شرق الفرات.  وقال عمر جبران، أحد المهجرين من مدينة عفرين والمغادرين لمخيم آزادي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إنّ شعور العجز كان يسيطر على معظم العائلات طوال سنوات النزوح، موضحاً أنّ فكرة العودة بدت لفترة طويلة "حلماً بعيد المنال". وأشار إلى أن مرور السنوات كان "يزيد الإحساس بالغربة، فالمنازل بعيدة، والذكريات معلقة، والحياة داخل المخيم لا تمنح الإنسان سوى الحد الأدنى من البقاء"، مضيفاً أن الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات كانت تتدهور بشكل مستمر، مع نقص واضح في الخدمات الأساسية، وارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، ما جعل تأمين احتياجات الأسرة اليومية تحدياً مرهقاً. ولفت جبران إلى أن كثيراً من العائلات وصلت في لحظات معينة إلى مرحلة فقدان الأمل الكامل بالعودة، لا سيما مع غياب أي مؤشرات سياسية أو ميدانية توحي بإمكانية حل قريب. لكن التطورات الأخيرة، بعد تسلّم الجيش السوري للمناطق إثر اتفاق مع "قسد"، على إثر الاشتباكات الأخيرة، أعادت إحياء هذا الأمل من جديد، وفقاً لجبران، مشيراً إلى أن الإعلان عن بدء عمليات العودة شكّل "صدمة إيجابية" لمعظم المهجرين، معرباً عن سعادة غامرة بينما يستعد لمغادرة المخيم بعد سنوات طويلة من الانتظار. وشدد جبران على أنّ العودة إلى عفرين "ليست مجرد انتقال جغرافي، بل استعادة للكرامة والهوية والحياة التي حرمنا منها طويلاً"، مؤكداً أن فرحة العودة تختلط بالكثير من الحنين والقلق في آن واحد، فبينما رأى فيها "بداية جديدة وفرصة حقيقية لإعادة بناء ما تهدم"، أعرب عن أمله في أن تترافق العودة مع استقرار فعلي وخدمات تضمن حياة كريمة للعائدين بعد سنوات من النزوح والمعاناة. ومع الإعلان عن الاتفاق الجديد، باشرت "اللجنة المركزية لاستجابة حلب" تنفيذ عملية إعادة منظمة شملت في مرحلتها الأولى نحو مئة عائلة من أهالي عفرين المقيمين في مخيمي آزادي وآشتي، في خطوة تهدف إلى لم شمل الأسر وتمكينها من استعادة حياتها الطبيعية. وفي إحدى الحافلات المتجهة إلى عفرين، جلست آفين المحمد تحدق طويلاً في الطريق الممتد أمامها، وتقول "خرجنا من عفرين وأطفالي صغار، اليوم أصغرهم أصبح شاباً، ولم أكن أتصور يوماً أن تأتي لحظة العودة، تعبنا كثيراً في المخيم، عشنا سنوات ثقيلة من الانتظار، لكن الحمد لله أن هذه اللحظة جاءت أخيراً".  وتتابع آفين لـ"العربي الجديد": "رغم سعادة العودة إلا أن الخوف لا يفارقني، أخاف أن أجد بيتي مهدماً أو مسكوناً من غيرنا، أخاف أن تكون ملامحه قد تغيرت كما تغيرت ملامح أولادي وكما تغيرت حياتنا كلها". وأكثر ما يشغل بالها هو الذكريات التي تركتها خلفها قبل سنوات، قائلة: "في كل زاوية من البيت ذكرى، في الحديقة لعب أطفالي، وعلى الجدران آثار أيامنا القديمة، أخشى أن أصل ولا أجد شيئاً كما كان، وأن المكان لم يعد يعرفني". ورغم هذا القلق، تؤكد آفين أن العودة تبقى الخيار الأرحم، وتقول: "مهما كانت العودة صعبة، ومهما واجهتنا من مشاكل، فهي أرحم ألف مرة من حياة المخيم، حيث كنا نعيش بلا أفق وبلا استقرار، أما هنا فنعود إلى أصلنا، إلى أرضنا، ولو كانت البداية قاسية، كل ما أتمناه أن أستطيع أن أفتح باب بيتي من جديد، وأن أبدأ من الصفر مع أولادي، وأن أشعر أخيراً أن رحلة النزوح انتهت، نحن لا نطلب المستحيل فقط أن نعيش في بيوتنا، بأمان، مثل كل الناس". براء حبال، عضو العلاقات الإعلامية العامة في حلب، تقول إنّ عملية إعادة نحو مئة عائلة من مخيمات مدينة الطبقة إلى عفرين نفذت بتنظيم مشترك مع مديرية الطوارئ، حيث جرى نقل العائلات عبر الحافلات والسيارات المتوافرة، وبمرافقة سيارات إسعاف وخدمة وإطفاء وإنقاذ، لضمان سلامة الرحلة وتأمين أي احتياجات طارئة على الطريق. وتوضح حبال في حديثها لـ"العربي الجديد"، أنّ القوافل انطلقت من مخيم الطبقة باتجاه عفرين ضمن خطة نقل إنسانية متكاملة، لافتة إلى أن العائلات توزعت بعد وصولها بين من عاد مباشرة إلى منزله أو إلى بيوت أقاربه، وبين من جرى إسكانه مؤقتاً في مخيم مجهز بكافة الخدمات الأساسية داخل عفرين، إلى حين استقرار أوضاعه بشكل كامل. غير أن كثيراً من العائدين لا يخفون قلقهم من التحديات المقبلة، في ظل الحديث عن دمار واسع في بعض الأحياء، ومخاوف تتعلق بالأمن والاستقرار والخدمات الأساسية. ويرى الخبير القانوني والمحامي عبد الرحمن السالم، أن ملف عودة المهجرين من عفرين يطرح جملة من التحديات الميدانية والقانونية التي لا يمكن تجاهلها، رغم الأهمية الإنسانية الكبيرة لهذه الخطوة. يشير السالم في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن أبرز المخاوف الميدانية التي تراود العائدين تتعلق بالجانب الأمني، ذلك أن كثيراً من العائلات "تخشى من غياب الاستقرار الكامل، أو من احتمال وقوع احتكاكات محلية أو تجاوزات فردية، خاصة في المناطق التي شهدت تغيرات ديمغرافية وإدارية خلال سنوات النزوح، وكذلك يمتد القلق إلى مسألة حماية الممتلكات، في ظل وجود حالات موثقة لاستيلاء أو إشغال منازل وأراضٍ تعود للمهجرين". وعن تقييمه للظروف الحياتية الأساسية في مناطق العودة، يوضح السالم أن الواقع "ما يزال هشاً في كثير من القرى والأحياء، حيث تعاني البنية التحتية من أضرار واسعة، ونقص واضح في خدمات الماء والكهرباء والصحة". وفي ما يخص الضمانات الأمنية، يؤكد الخبير الحقوقي أن العائدين "بحاجة إلى ضمانات عملية ومعلنة، وليس مجرد تعهدات عامة"، مشدداً على "ضرورة وجود آليات رقابة فعالة تمنع أي أعمال انتقامية أو تمييزية على خلفيات سياسية أو قومية أو اجتماعية، وغياب هذه الضمانات قد يعرض الاستقرار الهش للخطر، ويدفع بعض العائلات إلى التفكير بالعودة مجدداً إلى النزوح". ومع ذلك يرى الخبير القانوني أن هذه العودة، رغم ما يحيط بها من تحديات، تمثل "فرصة تاريخية حقيقية لطي واحدة من أكثر صفحات النزوح إيلاماً في شمال سورية، ووجود إرادة سياسية معلنة لمعالجة الملف، وتشكيل لجان رسمية لمتابعة شؤون العائدين، يشكّلان نقطة انطلاق مهمة يمكن البناء عليها، إذا ترافقت مع خطوات عملية على الأرض". ويضيف السالم أنّ نجاح الدفعات الأولى من العودة قد يفتح الباب أمام عودة أوسع وأكثر تنظيماً في المرحلة المقبلة، موضحاً أن "كل عائلة تستقر في بيتها بأمان، وكل طفل يعود إلى مدرسته، هو رسالة طمأنة لبقية المهجرين بأن العودة ممكنة وليست مجرد وعود". ويعرب عن أمله بأن تسهم هذه الخطوة في إعادة تنشيط الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عفرين وريفها، وخلق مناخ يساعد على ترميم الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows