Arab
تتردّد اليدُ في الشعر العربي القديم موشومةً "تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ"، قالها طرفة المقتول، وشعراء طلليون غيره. أمّا في الأدب الحديث فربما تكون اليد التي افتتح بها كونديرا روايته "الخلود" هي الأشهر، لحظة تلويح امرأة مُسنّة بيدها لمدرّب السباحة، إيماءةٌ حملت حضوراً وجودياً عميقاً.
تحمل الأيدي تعابير ودلالات مختلفة من الحبّ إلى الكراهية، وليس بعيداً عن هذا الإطار، يقدّم الباحث داريان ليدر في كتابه "الأيدي: ماذا نفعل بها؟ ولماذا؟" (دار ومكتبة عدنان/ ترجمة لهناء خليف غني، 2024) قراءة عميقة تأخذ اليد من دور عضو بيولوجي إلى محور رئيسي في تطور الإنسان النفسي والاجتماعي. يتتبّع ليدر اليد بوصفها أداة تطوّرت لتلبية حاجات فكرية وثقافية، ووسيلة للفهم الذاتي والتفاعل مع المحيط، ما يجعلها مفتاحاً لفهم الهوية الإنسانية.
انطلاقاً من خلفيته اللاكانية، يقترح ليدر تتبّع تطوّر اليد على اعتبار أنها أداة للفعل والتفكير معاً، لا مجرّد وسيلة تنفيذ، في مخالفة للقسمة التي راجت منذ الفلسفة اليونانية عبر ربط اليد بالعمل اليدوي فقط. في الفصول الأولى، يناقش كيف أسهمت اليد في تشكّل اللغة والإيماءة، وكيف سبقت الحركةُ اللفظَ في التعبير عن الرغبة والنية. هل اليد، هنا، تابعة للعقل؟ أم شريكة في إنتاج المعنى؟ فهي تفهم قبل أن تصوغ الكلمات، وتعبّر قبل أن يُسمّى الشعور.
موضوع ملهم للفنانين والأدباء لكونه مكوناً أساسياً في لغة الجسد
يمضي ليدر أبعد من ذلك، فيفكّك حضور اليد في الحياة اليومية: في المصافحة، والعمل، والعنف، والطقوس الاجتماعية. كما يستعرض دلالات اللمس والمنع، والعلاقة المعقّدة بين السيطرة والفقد، وبين ما تمسكه اليد وما يفلت منها. كما يتوقف عند اليد في المرض والوسواس والفقدان العصبي، ليبيّن كيف يختلّ الإحساس بالذات عندما تفقد اليد وظيفتها الرمزية. في هذا السياق، تصبح اليد مرآة للهوية الإنسانية: ما نفعله بها، وما نعجز عن فعله، يحدّد علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
View this post on Instagram
A post shared by Villa Hegra فيلا الحجر (@villahegra)
وعلى ضفّة الفنون البصرية المعاصرة، يبدو الفنان والنحات الفرنسي أوغست رودان حلقةً مفصليةً في انتقال اليد من التفصيل التشريحي إلى اللغة التعبيرية المستقلّة. تعامل رودان مع اليد كياناً قادراً على اختزال الحالة الإنسانية كاملة، حيث لم تعد جزءاً تابعاً للجسد. في منحوتات مثل "الكاتدرائية" و"يد الإله" نرى أن المعنى تجاوز "اللمس المباشر" إلى المسافة، أو الحركة المعلّقة، وفي ما توحي به الإيماءة أكثر مما تقوله. اليد عند رودان مفكّرة لا منفعلة، إن صح التعبير.
هذا الإرث التعبيري يتجلّى أيضاً، وإن بصيغ مختلفة، في أعمال الفنانة الإيطالية كاتي لا روكا (1938 - 1976). تناولت لا روكا اليد، مع تركيز خاص على اليد الأنثوية وما تحمله من دلالات الهوية والتواصل خارج اللغة المنطوقة. تنطلق خلفيتها الفنية من إرث إيطالي غني بالفن الكلاسيكي، حيث ارتبطت اليد برموز خالدة مثل لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو، تلك اللحظة التي يتجسّد فيها التماس بين الإلهي والإنساني عبر حركة يد. بين يد رودان، ويد لا روكا، جسرٌ بصري وفكري يربط بين الكلاسيكي والمعاصر، ويؤكّد حضورها بوصفها أحد أكثر عناصر الجسد قدرةً على حمل المعنى.

Related News
أرتيتا: مان يونايتد قدّم عرضاً رائعاً
aawsat
14 minutes ago
كاريك: حصدنا ثمار هجومنا الإيجابي أمام آرسنال
aawsat
19 minutes ago
هيمنة إنجليزية.. الأندية الأكثر إنفاقا في تاريخ كرة القدم
al-ain
22 minutes ago