كرد سورية... إلى متى البقاء خارج اليقين الوطني؟
Arab
5 days ago
share
لعل السؤال الأكثر تداولاً بين السوريين منذ تحرير بلادهم من نظام مستبد: ماذا يريد الكرد؟ الكرد الذين لطالما تعرضوا للاضطهاد، لا سيما خلال عهد النظام البائد، هم اليوم على مفترق طرق. ما زالوا متردّدين. لم يدخلوا في يقين وطني سوري يتشكّل. مطالبهم ومقارباتهم حول الهوية والدولة تبدو خارج النقاش الوطني السوري المحتدم منذ عام. فوحدة البلاد وهويتها مقدستان لدى العرب السوريين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من السكان. كان الكرد ممنوعين من كل شيء؛ من التحدّث بلغتهم علناً، ومن تعلمها في مدارس. عشرات الآلاف كانوا محرومين من الجنسية ومن حق المواطنة وواجباتها. الثورة التي بدأت في ربيع عام 2011، وكان الظلم والإقصاء والفساد دوافعها وروافعها، كانت فرصة انتظرها الكرد للحصول على حقوقهم، ولكن النظام البائد الذي لطالما استثمر بحزب "العمال الكردستاني"، فتح باب البلاد أمام كوادره، فظهرت وحدات "حماية الشعب"، وهي الذراع العسكري لحزب "الاتحاد الديمقراطي"، الذي يُنظر إليه على أنه نسخة سورية من "العمال" الكردستاني" الذي يتحكم اليوم بكل مفاصل القرار شمال شرقي سورية. غالبية قادة "حماية الشعب" قادمون من جبال قنديل مركز هذا الحزب ذي النزعة اليسارية. مدّها النظام البائد بالسلاح لمحاصرة الحراك الثوري ضده في عام 2012 في المناطق الكردية، وفق ما صرّح به رئيس الوزراء السابق في سورية، رياض حجاب، إثر انشقاقه الشهير عن نظام الأسد في ذلك العام. لم تفلح كل المحاولات من أجل اعتماد مرجعية سياسية للكرد السوريين في مرحلة ما قبل سقوط الأسد. لم يقبل "الاتحاد الديمقراطي" أياً من أشكال الشراكة، واحتكر القضية الكردية، وربطها بمشروعات خارجية دخيلة سيطر هذا الفصيل على الشارع الكردي بشكل كامل، غيّب كل الأصوات الكردية الوطنية ليسود خطاب واحد قادم من وراء الحدود يمجّد عبد الله أوجلان (التركي) وفلسفته السياسية. وفي عام 2015 أسّس التحالف الدولي ما عُرفت بـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، نواتها الرئيسية تلك الوحدات التي تلقت لاحقاً تدريباً رفيعاً وتسليحاً متطوراً. حاربت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحت غطاء ناري من طيران التحالف الذي اعتمد عليها ذراعاً برية لمواجهة التنظيم المتطرف. ما بين عامي 2015 و2019 سيطرت قوات "قسد" على الثلث الأهم في البلاد، الذي يضم ثرواتها، وباتت هي القوة المسيطرة بلا منازع. وأسّست إدارة ذاتية لمناطق نفوذها وفرضت قوانينها ونظامها التعليمي، ومجالس محلية، ولكن عينها كانت على الشمال حيث الجيش التركي المتربص بها، فهو يعتبرها تهديداً لأمن تركيا القومي.  طيلة سنوات، تحولت هذه القوات التي أخذت بعداً قومياً كرديّاً فاقعاً إلى لاعب رئيسي في المشهد السوري، وورقة ضغط بيد قوى إقليمية ودولية. احتكرت القرار في مناطق سيطرتها التي يشكّل العرب غالبية سكانها. تحكمت بالثروة كما تشاء، ولكن لم تصرفها لإحداث تنمية حقيقية في هذه المحافظات التي عانت من الإقصاء والتهميش طوال قرن. غيّبت العرب تماماً عن المشهد، وحيّدت كل القوى السياسية الكردية، واحتكرت القرار بشكل كامل. لم تفلح كل المحاولات من أجل اعتماد مرجعية سياسية للكرد السوريين في مرحلة ما قبل سقوط الأسد. لم يقبل "الاتحاد الديمقراطي" أياً من أشكال الشراكة، واحتكر القضية الكردية، وربطها بمشروعات خارجية دخيلة، ما أفقدها جوهرها الوطني. بعد سقوط الأسد المدوّي، استغلت هذه القوات حالة الفراغ، ووسّعت نطاق سيطرتها فاقتربت أكثر من خاصرة حلب الشرقية، وبات لها موطئ في عمق البادية السورية. اعترفت بالواقع السياسي الجديد في دمشق من باب المناورة السياسية لا أكثر. كانت تراهن على فشل الإدارة الجديدة، بل ربما شعرت في وقت ما بأنها ستكون البديل الجاهز. ولكن العالم اعترف بالتغيير الذي جرى في سورية ورحّب به، فتبدلت حسابات قيادة (قسد) تماماً. اضطرت إلى توقيع اتفاق شهير في آذار من العام الفائت نصّ على دمجها في الجيش السوري الوليد. وقدمت قسد مطالب من أجل المضي في عملية الاندماج، لا يمكن لدمشق أن تتحمّلها؛ مطالب تنزع سيادة الدولة على نحو ثلث البلاد، وتعبّد الطريق أمام تقسيم على أسس طائفية وعرقية. قوات "قسد" التي ما تزال تحظى بدعم التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة لا تريد حل نفسها، وتسليم سلاحها، وتصرّ على البقاء في المعابر الحدودية، وتريد حصة من الثروة النفطية في الشمال الشرقي التي تضع يدها عليها منذ سنوات، وترى أن الفرصة سانحة للحصول على مكاسب سياسية للكرد محصّنة في الدستور، بل إنها تطالب بالمشاركة بكل مفاصل القرار في البلاد، وخصوصاً السياسي والعسكري، معتمدةً على فائض قوة تملكه نتيجة دعم غربي لأكثر من عقد، إلى حد المطالبة بـ "لا مركزية سياسية"، في محاولة لاستنساخ تجربة كردستان العراق. لم تدرك أن الظروف مختلفة عن تلك الموجودة في العراق، إذ إن الكرد يشكلون غالبية سكان إقليمهم هناك، بينما هم أقلية في شمال شرقي سورية الذي تنتشر فيه قبائل وعشائر عربية ترفض تماماً أي مشروعات انفصالية. قبلت هذه القبائل بتحكم قوات "قسد" طيلة سنوات، لأن البديل كان نظام الأسد البائد. لعبت قوات "قسد" على الوتر الأخطر في سورية وهو وتر الأقليات الطائفية. دعمت مليشيات درزية متعاونة علناً مع الكيان الصهيوني المحتل، مادياً وعسكرياً، وجعلت من الشمال الشرقي ملاذاً آخر لفلول نظام الأسد البائد، بل ضمّت كثيرين منهم إلى صفوفها لتستقوي بهم على الإدارة السورية الجديدة وجيشها الوليد. في مقابل مطالب "قسد"، تُريد دمشق اندماج هذه القوات في الجيش السوري على شكل فرق وألوية تنتشر في مناطق شمال شرقي سورية، وتريد فصلاً تاماً ما بين ملفي "قسد" والكرد في سورية. فشل الجانبان (دمشق وقسد) في تطبيق اتفاق آذار، فجولات التفاوض التي جرت سواء في شمال شرقي سورية أو في العاصمة دمشق بلا نتائج. التباين كبير وهوّة الخلاف واسعة وردمها باتفاقات فرعية لم ينجح. تفجّر الموقف أخيراً، وكان لا بدّ من انتزاع ورقة ابتزاز سياسي من يد قسد، وهي حيّا "الأشرفية" و"الشيخ مقصود" المكتظان بالسكان عرباً وكرداً، خرجت من حلب عاصمة البلاد الاقتصادية أخيراً، إذ كانت تراهن على دفاع مستميت يستمر لشهور كفيل بالضغط على دمشق يجبرها على تقديم تنازلات "مؤلمة". لا يتمركز الكرد السوريون في منطقة جغرافية بعينها، فهم ينتشرون في عموم البلاد، ولكن هناك تجمعاً كبيراً في محافظة الحسكة، ولا سيما في مدينة القامشلي وريفها المحاذي شمالاً لتركيا وشرقاً لإقليم كردستان العراق كانت تراهن على انتهاكات بحق السكان شبيهة بتلك التي حدثت في الساحل والسويداء لتأليب المجتمع الدولي ضد دمشق، وخلق مظلومية كردية جديدة، ولكن الجيش أثبت أنه استوعب درس آذار وتموز، إذ قدم أداء وطنياً عالي المستوى عزّز ثقة السوريين به. نُذر مواجهة كبرى ما بين دمشق و"قسد" لم تعد خافية، فتوحيد سورية مجدداً من أكبر المهام وربما أصعبها أمام دمشق. المقاربات السياسية لملف قسد والملف الكردي في سورية غائبة، فالمشهد الميداني والسياسي والعسكري معقّد إلى حد كبير، فالاشتراطات "غير واقعية" وغير ممكنة التطبيق، ولكن "قسد" لا تمثل كل الكرد السوريين، ولا يمكن اختزالهم في هذا الفصيل، فالمجلس الوطني الكردي الذي يضم أحزاباً وتيارات سياسية عدة، ينافسها في المشهد الكردي، ويحاول دفعها إلى إشراكه في القرار، ولكن افتقاده إلى شوكة عسكرية يجعله على هامش "اللعبة". وهناك تيّار ثالث، وهو تيّار المستقلين الذين يؤمن بدولة مواطنة جامعة للعرب والكرد. وحتى "قسد" تبدو نهب تيارات داخلها، فالصقور لا يريدون أي حل مع دمشق ينزع عنهم سلطتهم، ونفوذهم الاقتصادي، والحمائم تبحث عن اتفاق مع دمشق يحقّق الحد المعقول من المطالب الكردية، فالصدام العسكري في حال اتساعه مع ضوء أخضر أميركي لتركيا للتدخل يعيد الملف الكردي إلى مربع عام 2011، وربما ينزع من أيديهم كل المكاسب التي حُققت على مدى أكثر من عقد.   لا يتمركز الكرد السوريون في منطقة جغرافية بعينها، فهم ينتشرون في عموم البلاد، ولكن هناك تجمعاً كبيراً في محافظة الحسكة، ولا سيما في مدينة القامشلي وريفها المحاذي شمالاً لتركيا وشرقاً لإقليم كردستان العراق. ويشكل الكرد غالبية سكان منطقتي عين العرب (كوباني) وعفرين في ريفي حلب الشمالي والشمالي الشرقي. وسكن الكرد خلال النصف الثاني من القرن الفائت في مناطق عدة، في حلب وفي دمشق التي تضم حياً سكنه الكرد منذ قرون، وهو المعروف اليوم بحي ركن الدين. قالت الأمم المتحدة في عام 2017 إن نسبة السوريين الكرد تصل إلى 5%، بينما الأوساط الكردية تقول إنها أكبر.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows