الفراغ القاتل
Arab
6 days ago
share
فراغ هائل يحيط بنا ويضيّق علينا أنفاسنا منذ عقود طويلة، فراغ تجلّى عارياً خلال العقد ونصف العقد الأخير الدمويّ. تستمرّ الحرب باستمرار تسيّد الفراغ أو الفراغات الهائلة المتنوّعة. فراغات لا بدّ للطاغية أن يخلقها ويوزّعها بدهاء وحنكة على خريطة البلاد، وعلى رأسها الفراغ السياسيّ وما ينجم عنه من فراغ في السلطات التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة والعسكريّة لكونها في يده أيضاً وبحراسة رجال أمنه، ما يؤمّن له ولحاشيته وبعض موالاته من الانتهازيّين والشبّيحة ثروات البلاد وكنوزها، لذلك يلزمه عبيد أنيقون مفوّهون ببدلات رسميّة وأربطة عنق ملائمة، ولا بأس ببعض الكروش البارزة دليلاً على الازدهار الوطنيّ. ويلزم تسليم بعضهم المؤسّسات الإعلاميّة المختلفة وإبراز آخرين خلف الشاشات، وتدبيج خطاب إعلاميّ رسميّ موحّد ومضلّل طبعاً، يصل إلى حدّ التشبيح للسلطة والتجييش والتحريض، لتبرير تدمير البلاد، غير آبهين بالأرواح تزهق والدماء تنزف والانتهاكات تمزّق النسيج المجتمعي، وتمعن في خنق الصوت وقتل الروح الوطنيّين، فيتكدّس الفراغ في صدر البلاد، إلى أن انكشف بصفاقة فراغ في السيادة الوطنيّة، وداست البلاد شتّى الاحتلالات بعضها علّل تدخّله بذريعة حمايتها وتحريرها. النتيجة هروب الأسد الساقط، والبلاد تغوص في يبابها الدامي. تجلّت الفراغات عارية كفضيحة يستحيل سترها: الفراغ في السلك التربوي والتعليميّ والعمل على التدجين الفكريّ والمعرفيّ والثقافيّ، يواكبه فراغ اقتصاديّ، ولضرب الوحدة الوطنيّة في البلاد، لا يتوانى الطاغية عن إثارة النعرات الدينيّة والطائفيّة في الخفاء وقت السلم، وعلى العلن وقت الحرب، تبريراً لشنّ حربه على شعبه وطمس جرائمه وتدميره البلاد. ذلك ما أدّى إلى نشوء الفراغ الأخلاقيّ، عبر إفساد العمل المؤسّساتي.      فراغ تعرّى كفضيحة صادمة مخجلة ومرعبة، رغم أنّها غير مباغتة، كنّا نراها ونصمت، أو بأضعف الإيمان ندور حولها وندوّر زواياها الحادّة لننجو، ونحن نتفرّج على مصير غيرنا من فرسان قول الحقيقة لا يردعهم نفي أو سجن أو رصاصة. بينما حملة الأبواق والطبول من الجهلة وسواهم من العارفين الانتهازيّين يحتفلون تمجيداً للطاغية وتكريساً لحكمه. يغالون بالصخب ويبالغون في رفع مستوى سطوع أضواء التشبيح الملوّنة، لإخماد صوت الحقيقة والدفع بها إلى أقبية العتمة، غافلين عن أنّ الحقيقة كمياه جوفيّة لا بدّ أن تنفجر ينابيع عذبة، إنّما الفارق، أنّهم يغيّبون الحقيقة السوريّة في تجاويف ومغاور دمويّة. صخب أفراح خلّبيّة خائفة في واقع الأمر، من صوت الحقيقة التي تدُكّ العروش عاجلاً أم آجلاً. يصف بريخت النازيّة في بدء نشأتها، بأنّها:" مشروع عنف شامل، لن يصبح ممكناً إلّا بفعل الانبطاح الاجتماعي وانتهازيّة النخب". إنّ الطاغية ليس وحده المسؤول، بل: "البيئة التي سمحت له بالصعود، والمجتمع الذي تفرّج، والنخب التي ساومت، وصولاً إلى المثقّفين الذين اختبأوا خلف الحياد".  الخوف شعور طبيعيّ ومشروع لدى الكائنات كلّها في أوقات الخطر. لكنّ دفن الرؤوس في الرمال ليس حلّاً ناجعاً حين يداهم الخطر المجموعات، فثمّة آليّات دفاعيّة غريزيّة، وأخرى يخلقها الوعي والإدراك للجماعات البشريّة ذوات العقول. ولكنْ، كيف ومن أين للخائف الأعزل مقاومة الخطر المحدق به؟ وكيف لمن يقدر على التعبير بأشكاله المختلفة، أن يوصل صوته إلى حيث يكمن الأمل في المقاومة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط صخب الاحتفاء المسلّح وتمجيد النخب له ولهذا العماء الدمويّ؟ لقد تغافل الطاغية الأسد عن أنّه حين انتهاء صلاحيّته في خدمتهم سيلقون به عارياً إلى عاره والفراغ. واليوم، هل من متّعظ؟ 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows