هل تنجح سورية في تحويل السيطرة على سلة الغذاء الشرقية إلى مكاسب؟
Arab
6 days ago
share
مع إعلان الحكومة السورية استعادة السيطرة على مساحات واسعة من المناطق الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، عاد ملف الزراعة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، بوصفه أحد المفاتيح القليلة المتاحة لإحداث تحوّل فعلي في بنية اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة نجمت عن الحرب الطويلة التي دمرت معظم البنى التحتية. فالشرق السوري، الممتد عبر محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، لا يمثل مجرد مساحة جغرافية، بل يشكّل تاريخياً العمود الفقري للأمن الغذائي في البلاد، والمصدر الرئيسي للمحاصيل الاستراتيجية التي افتقدتها الدولة خلال سنوات طويلة، حسب خبراء زراعة لـ"العربي الجديد". ويطرح هذا التطور مرحلة جديدة لا تزال تدور حولها تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على تحويل السيطرة الجغرافية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، سواء على صعيد أسعار الغذاء والطاقة، أو على مستوى تخفيف الضغوط عن الاقتصاد الكلي. في دير الزور، بدا تحرير مشروع ري القطاع السادس مؤشراً مبكراً على حجم الرهان الاقتصادي الكامن في هذا التحول، فالمشروع يُعد من أهم مشاريع الإرواء في شرق المحافظة، ويغذي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي بقيت خارج الخدمة لسنوات. اختبار المياه والأمن الغذائي وفق بيان صادر عن وزارة الموارد المائية السورية، أول من أمس، تحركت كوادر الهيئة العامة للموارد المائية فور تأمين الموقع، بالتعاون مع المجتمع المحلي، لحماية المشروع، إضافة إلى تأمين محطة الصفحة ضمن مشروع جر مياه قناة الصّوَر، في حين تعرضت المحطة الثانية لأضرار نتيجة التعديات عليها خلال الفترة الماضية، بسبب بعدها عن التجمعات السكانية. ويمتد مشروع ري القطاع السادس على مساحة تقارب 12 ألف هكتار، ويضم محطتين تحتوي كل منهما على سبع مجموعات ضخ، إضافة إلى نحو 12 مأخذاً على القناة الرئيسية التي يبلغ طولها 15 كيلومتراً. ورغم أن إعادة تشغيله الكاملة تحتاج إلى وقت وأعمال صيانة وتأهيل، فإن تحرير المشروع يعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً حول دلالات استعادة هذه المشاريع على الاقتصاد السوري. يقول المدير التنفيذي في شركة أكمافيد، العاملة في مجال الإنتاج والتصنيع الزراعي، مهند الأصفر، لـ"العربي الجديد"، إن المناطق الشرقية كانت تمثل قبل عام 2011 القلب النابض للزراعة السورية، موضحاً أن النسبة الأكبر من إنتاج القمح كانت تأتي من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، ما مكّن سورية آنذاك من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض. ويضيف الأصفر أن محافظة الحسكة وحدها كانت تساهم بنحو ثلث إنتاج القمح الوطني، إلى جانب دورها المحوري في إنتاج القطن والشعير والمحاصيل العلفية التي تشكّل أساس دعم الثروة الحيوانية، مؤكداً أن هذه الكتلة الإنتاجية لم تكن مجرد أرقام، بل ركيزة للاستقرار الاقتصادي، سواء من حيث استقرار أسعار الغذاء أو تقليص فاتورة الاستيراد. غير أن هذه القدرة الإنتاجية خرجت عملياً من يد الدولة خلال سنوات سيطرة "قسد"، ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي. ويلفت الأصفر إلى أن الدولة حُرمت من الجزء الأكبر من محاصيلها الاستراتيجية، حيث تراجعت الكميات المسلّمة للمؤسسات الرسمية إلى مستويات متدنية، فيما انخفض الإنتاج الإجمالي بفعل غياب الدعم الحكومي وتضرر البنية التحتية الزراعية، وتكرار مواسم الجفاف، مشيراً إلى أن إنتاج القمح في هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من الأطنان. اختلالات بنيوية عميقة يأتي تحرير المناطق الشرقية في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد السوري، الذي يواجه منذ سنوات اختلالات بنيوية عميقة، تتمثل في ضعف القدرة الإنتاجية، واتساع العجز في الميزان التجاري، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع كلفة الاستيراد، ولا سيما في ملفي الغذاء والطاقة. وفي ظل محدودية القطاعات القادرة على إحداث اختراق حقيقي، تبرز الزراعة بوصفها أحد المسارات القليلة المتبقية لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد من الداخل. ويرى الخبير الاقتصادي، أيمن ديوب، أن أهمية ما جرى تكمن في أنه يعيد فتح نافذة على الاقتصاد الحقيقي، لا على اقتصاد الطوارئ الذي فُرض خلال سنوات الانقسام. ويقول لـ"العربي الجديد" إن فقدان الدولة السيطرة على المناطق الشرقية لم يكن مجرد خسارة إنتاج زراعي، بل خسارة لقدرتها على إدارة دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتسعير والدعم، مشيراً إلى أن غياب هذه المناطق عن المنظومة الرسمية ساهم في تعميق عجز الميزان التجاري، وزيادة الضغط على العملة الوطنية. ويشرح ديوب أن استعادة الشرق، إذا ما أُدير اقتصادياً بشكل صحيح، يمكن أن تشكّل نقطة انعطاف في بنية الاقتصاد الكلي، عبر تخفيف فاتورة الاستيراد الغذائي والطاقة، وتحسين إدارة الدعم، وتعزيز الأمن الغذائي، وهي عناصر مترابطة تؤثر مباشرة في معدلات التضخم والاستقرار الاجتماعي، محذراً في الوقت نفسه من أن غياب التخطيط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها داخل الجغرافيا المستعادة. مكاسب مؤجلة تُعتبر منطقة الجزيرة السورية، ولا سيما الحسكة ودير الزور والرقة، السلة الغذائية لسورية، إذ تنتج سنوياً أكثر من مليوني طن من القمح، ما يشكّل نحو 55% من إجمالي الإنتاج الوطني، إضافة إلى أكثر من 500 ألف طن من القطن، بما يعادل نحو 78% من إنتاج القطن السوري. وتتجلى أهمية هذه المناطق أيضاً في ملف التخزين، إذ تضم عدداً من أكبر صوامع الحبوب في البلاد، بطاقة تخزينية تقديرية تتراوح بين 1.5 ومليوني طن، وهو ما كان يمكن أن يؤمّن مخزوناً استراتيجياً يخفف تقلبات السوق ويحد من الهدر، لولا خروج معظم هذه الصوامع عن السيطرة الرسمية خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية، أن عودة منطقة الجزيرة إلى سيادة الدولة تمثل تحوّلاً استراتيجياً ينعكس مباشرة على الموارد المالية والموازنة العامة وخطط إعادة الإعمار. وأشار، عبر صفحته الرسمية، إلى أن الموازنة العامة لعام 2025 حققت فائضاً مالياً بسيطاً هو الأول منذ عقود، نتيجة سياسة ضبط الإنفاق واتباع إدارة رشيدة للمال العام، مؤكداً أن عودة خيرات الجزيرة من النفط والغاز والثروات الزراعية والحيوانية ستوفر حيزاً مالياً يسمح بالتوسع في الإنفاق الاستثماري. ويمتد الأثر الاقتصادي للزراعة والمياه إلى قطاع الطاقة، إذ تفتح استعادة السدود والمنشآت الكهرومائية في الشرق والشمال الشرقي سيناريو موازياً لا يقل أهمية عن الزراعة، فسدا الفرات وتشرين كانا يرفدان الشبكة الكهربائية قبل الحرب بطاقة تتراوح بين 800 وألف ميغاواط، ما يعني أن إعادة دمجهما في الشبكة الوطنية قد تخفف من عجز الكهرباء، وتخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي. وبالرغم من هذه الإمكانات، لا يتوقع الخبراء تحسناً فورياً في الأسواق، إذ تحتاج عودة الإنتاج الزراعي إلى موسم كامل على الأقل. وتقول مهندسة الاقتصاد الزراعي ليندا عاصي، إن الأثر الإيجابي لتحرير المناطق الشرقية سيبقى في المدى القصير نفسياً أكثر منه فعلياً، لكنه قد يتحول إلى مكسب حقيقي على المدى المتوسط إذا أُديرت الموارد بكفاءة.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows