Arab
في السياسة، لا شيء أشد وقاحة من أن يتحوّل الشريك إلى واعظ، وأن يتقمّص صانع الأزمة دور المنقذ. هذا بالضبط ما يواجهه السودانيون اليوم، حين تُرفع في وجوههم شعارات "محاربة الإسلاميين" من أطراف إقليمية لعبت، لسنوات طويلة، دوراً مركزياً في تمكين النظام الإسلامي، وحمايته، وإطالة عمره، والاستفادة من بقائه.
يبدو الخطاب الجديد، في ظاهره، أخلاقياً ومبدئياً، لكنه في جوهره انتقائي وانتهازي، ومجرّد من أي مساءلة ذاتية. فالدعوة إلى محاربة الإسلاميين لا تصدر عن موقع نقدي مستقل، ولا عن التزام حقيقي بالديمقراطية أو الدولة المدنية، بل عن موقع تورّط عميق في صناعة الواقع الذي يُدّعى اليوم الرغبة في تغييره.
لقد ظلّ النظام الإسلامي في السودان، طيلة عقود، جزءاً من شبكة إقليمية واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية. لم يكن معزولاً كما يُصوَّر لاحقاً، بل كان شريكاً موثوقاً تُفتح له الأبواب عند الحاجة، ويُغضّ الطرف عن فساده وقمعه طالما حافظ على معادلات النفوذ والاستقرار الزائف. في تلك المرحلة، لم يكن "الإسلام السياسي" مشكلة، بل أداة حكم قابلة للتوظيف والاستثمار.
المفارقة الصادمة أن بعض من يطالبون اليوم السودانيين بخوض معركة شاملة ضد الإسلاميين، كانوا حتى الأمس القريب يتعاونون معهم، ويحتضنون كوادرهم، ويعيدون تدوير نخبهم داخل شبكات النفوذ الإقليمي. هذا التحول لا يمكن تفسيره أخلاقياً، بل سياسياً فقط: تغيّرت الأدوات ولم تتغيّر المبادئ، وتبدّل الحلفاء لا الأهداف.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يكتفي بطمس الماضي، بل يسعى إلى فرض بديل أكثر تدميراً. فبدل دعم مشروع وطني مدني يعالج جذور الأزمة، يجري الترويج لقوى مسلّحة غير نظامية باعتبارها رأس الحربة في "محاربة الإسلاميين". وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: كيف يمكن تفكيك نظام شمولي عبر تمكين مليشيات بلا مشروع دولة، ولا التزام بالقانون، ولا احترام لمفهوم المواطنة؟
إن القوى المسلّحة التي يُراد تقديمها اليوم بديلاً ليست نتاج ثورة ديمقراطية، ولا تعبيراً عن تطلعات الشعب، بل هي تراكم تاريخي من العنف والزبائنية والانتهازية، نشأت وترعرعت في ظل الدولة الأمنية نفسها، واستفادت من اقتصاد الحرب، وتوسّعت خارج أي إطار مؤسسي. دعم هذه القوى لا يعني تفكيك الإسلام السياسي، بل استبداله بنسخة أكثر توحشاً، مؤدلجة بالعنف بدل الأيديولوجيا.
ما يجري في السودان ليس صراعاً بين دولة مدنية وإسلاميين، كما يُراد تسويقه، بل صراع بين مشاريع سلطة، تُستخدم فيه الشعارات الأخلاقية غطاءً لتصفية حسابات إقليمية. يُستحضر الإسلاميون فزّاعةً حين تنتهي صلاحيتهم، ويُتجاهلون حين يخدمون المصالح، فيما تُقدَّم المليشيات باعتبارها حلاً مؤقتاً سرعان ما يتحول إلى عبء دائم على الدولة والمجتمع.
ما يجري في السودان ليس صراعاً بين دولة مدنية وإسلاميين، بل صراع بين مشاريع سلطة، تُستخدم فيه الشعارات الأخلاقية غطاءً لتصفية حسابات إقليمية
هذا النمط من التدخل لا يُنتج استقراراً، بل يعيد إنتاج الفوضى بصيغ أكثر تعقيداً. فالدولة لا تُبنى عبر الوكلاء، ولا تُستعاد عبر السلاح المنفلت، ولا تُنقذ بتحالفات ظرفية مع قوى لا تؤمن أصلاً بفكرة الدولة. ومن يظن أن القضاء على الإسلاميين يمكن أن يتم عبر دعم المليشيات، إنما يزرع بذور حرب أطول، وانقسام أعمق، وانهيار أشمل.
السودانيون لا يرفضون تفكيك الإسلام السياسي، بل كانوا في طليعة من ثاروا ضده. لكنهم يرفضون تحويل هذه المعركة إلى أداة ابتزاز سياسي، أو ذريعة لإعادة رسم خريطة النفوذ فوق جماجمهم. كما يرفضون أن يُطلب منهم دفع ثمن صراعات لم يصنعوها، ولا قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.
المطلوب اليوم ليس استبدال حليف بحليف، ولا نظام بآخر، بل تفكيك شامل لكل بنى الاستبداد: الدينية، والعسكرية، والمليشياوية، والاقتصادية، بلا انتقائية ولا استثناء. والمطلوب قبل ذلك اعتراف صريح بالأدوار الخارجية التي ساهمت في إطالة عمر الأزمة، لا إعادة كتابة التاريخ بلغة جديدة.
أما الاكتفاء بشعار "محاربة الإسلاميين" من دون مساءلة الماضي، ولا مشروع دولة، ولا احترام لإرادة السودانيين، فليس سوى نفاق سياسي فجّ، ومحاولة لتبرئة الذات عبر تحميل الضحية مسؤولية الخراب.
وفي نهاية المطاف، لن ينجح من يحاول فرض مستقبل السودان من الخارج؛ فالشعوب قد تُهزم مؤقتاً، لكنها لا تنسى من صنع أزماتها، ولا من تاجر بآلامها.
Related News
في باب الذاكرة والحاضر ولون قلم المؤرخ
alaraby ALjadeed
7 minutes ago
التحسن وصل إلى المطبخ.. أخبار سارة في مانشستر يونايتد
al-ain
24 minutes ago
وصول التوأم الملتصق الفلبيني «أوليفيا وجيانا» إلى الرياض
aawsat
27 minutes ago