لماذا كسر الصمت عن مخيمات فلسطينية مخنوقة؟
Arab
6 days ago
share
كثُرت في الآونة الأخيرة العناوين المأزومة التي تطاول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، سياسياً وإعلامياً، في سياق متوتر ألقى فيه حدث طوفان الأقصى بظلال ثقيلة على البلاد. ولم تقتصر تداعيات هذا الحدث على الجنوب اللبناني أو على التحولات في أدوار المقاومة، بل استُغلّ لإطلاق حملة ممنهجة زادت تضييق الخناق على الفلسطينيين في معيشتهم وحقوقهم. وقد بدا ذلك جلياً عبر حملة محمومة استهدفت المخيمات الفلسطينية، وكأنّ ثمة تصفية حسابات مفتوحة مع اللاجئين في لبنان، على خلفية موقفهم الطبيعي المؤيد للمقاومة اللبنانية. تُرجمت هذه الحملة بإجراءات أمنية غير مبرَّرة نفّذتها السلطات اللبنانية عبر الجيش، شملت إغلاق منافذ المخيمات، وبناء أبراج عسكرية تراقب تفاصيل حياة اللاجئين وأنفاسهم، في مشهد يستحضر صورة "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل 1984. وترافق ذلك مع ادعاء إعلامي مفضوح وفاشل، قادته بعض الصحف اللبنانية، مفاده أن تسليم السلاح الفلسطيني انعكس إيجاباً على أوضاع اللاجئين، في تناقض صارخ مع الواقع المعيشي والاجتماعي المتدهور داخل المخيمات. في موازاة ذلك، تماهت منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، عبر الممثل الخاص لرئيس السلطة محمود عباس، نجله ياسر عباس، مع هذه البروباغندا الإعلامية، مروّجة لفكرة أن الفلسطيني بات "أفضل حالاً" في ظل هذه الاستراتيجية، وأن وكالة "الأونروا" تقوم بما يلزم، وأن انتقاد أدائها يُعد "خيانة وطنية". علماً أن ياسر عباس يُتداول اسمه بوصفه مرشحاً لعضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، في سياق يُفهم على أساس أنه توريث سياسي لا يخلو من دلالات. في المقابل، سادت حالة من العجز والضياع لدى قوى المقاومة الفلسطينية، ولا سيما حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، اللتين وُضعتا في زاوية ضيقة عنوانها الوحيد "تسليم السلاح". بات هذا الملف شغلهما الشاغل، على حساب النضال من أجل الحقوق الفلسطينية، ولم يبقَ من حضورهما سوى لقاءات بروتوكولية مع وزراء ومسؤولين، لا تتجاوز إطار المناشدات والوعود التي ملّ الفلسطينيون من سماعها. مع تسلّم ياسر عباس عملياً ملف الحوار، وبفعل التوجهات اللبنانية الجديدة التي لم تعد ترى في الفصائل الفلسطينية أي شرعية للحوار، غاب هذا النقاش بالكامل، وحلّت لغة الضغوط محل لغة الحقوق وتُطرح، في هذا السياق، تساؤلات كبيرة حول غياب أي نقاش جدي داخل لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني بشأن إقرار الحقوق المدنية للاجئين. وهي حقوق وُعد بها الفلسطينيون عقب الزيارة الأخيرة للرئيس عباس إلى لبنان، حين أُطلقت تصريحات سياسية تحدّثت عن "تسهيلات" مرتبطة بتسليم سلاح المخيمات. لكن مع تسلّم ياسر عباس عملياً ملف هذا الحوار، وبفعل التوجهات اللبنانية الجديدة التي لم تعد ترى في الفصائل الفلسطينية أي شرعية للحوار، غاب هذا النقاش بالكامل، وحلّت لغة الضغوط محل لغة الحقوق. الحقوق المدنية واستنهاض دور الشتات من هنا، تبرز الحاجة إلى منهجيات جديدة في التفكير والممارسة، لمواجهة مسار متصاعد من التهميش والحرمان والتضييق على اللاجئ الفلسطيني في لبنان، وما يخلّفه ذلك من أثر مباشر على دوره النضالي. وفي هذا الإطار، يلتقي هذا الطرح مع ما أورده الكاتب الفلسطيني خالد بركات، الذي يرى أن الحقوق المدنية الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان ليست مطلباً معيشياً فحسب، بل "شرطاً سياسياً ونضالياً لاستنهاض دور جماهير الشتات، وتمكينها من تحمّل مسؤولياتها التاريخية تجاه شعبها وقضيّتها". ويضيف بركات أن "اللاجئ المتمتع بحقوقه هو لاجئ أكثر قدرة على التنظيم، وعلى بناء المبادرات الشعبية، وعلى خوض معارك الدفاع عن فلسطين في الفضاءات اللبنانية والعربية والدولية". بل يذهب أبعد من ذلك حين يؤكد أن "انتزاع الحقوق المدنية لا ينفصل عن معركة التحرير والعودة، بل هو أحد أهم شروطها، ولا يمكن الحديث عن شتات مقاوم فيما يُترك الفلسطيني في المخيم رهينة العوز والحرمان والتهميش". ويحمّل الكاتب، في هذا السياق، طلائع الشباب الفلسطيني الثوري، ومعهم القوى الحيّة في المجتمع اللبناني، مسؤولية تاريخية لبناء خطاب وحدوي يتجاوز التحريض والعمل الموسمي، ويواجه آفة العنصرية ومحاولات الاصطياد في الماء العكر. وعليه، لا يمكن فصل النضال في فلسطين عن النضال في لبنان. فهذا الترابط ليس خياراً فلسطينياً فحسب، بل خيار لبناني أيضاً بالنسبة إلى القوى التي تؤمن بحقوق اللاجئ الفلسطيني باعتبارها مساراً يعزّز صموده ونضاله في مواجهة مشاريع التهجير وإلغاء حق العودة. هل يكون الإعلام بوابة العبور؟ لعب الإعلام الرقمي الفلسطيني في السنوات الأخيرة دوراً محورياً في تسليط الضوء على قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وارتباطهم العضوي بفلسطين، ولا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر. جاء ذلك في ظل غياب إعلام فلسطيني تقليدي قادر على مواكبة قضايا اللجوء كما ينبغي، فسدّ الإعلام الرقمي هذه الفجوة، عبر منصات نقلت صورة الحرمان والمعاناة من قلب المخيم، بالصورة والخبر والفيديو، من دون افتعال أو تهويل. غير أن الحاجة برزت، أخيراً، إلى وسيلة إعلامية تكسر الصمت، لا لتكتفي بعرض مشاهد البؤس، بل لتطرح الأسئلة الجوهرية: لماذا يستمر هذا التهميش؟ ولماذا يتفاقم؟ ولماذا يُطلب من الفلسطيني أن يصمت؟ السؤال الحقيقي، إذاً، ليس: لماذا نكسر الصمت عن واقع مخيماتنا؟ بل: لماذا نصمت ونغرس رؤوسنا في الرمال؟ أليس الصمت في هذه الحالة تواطؤاً، وربما أكثر من ذلك؟ من هنا، جاء بودكاست "كسر الصمت"، الذي تناول في حلقاته الثلاث الأولى قضايا حساسة ومسكوتاً عنها في الإعلام الفلسطيني. فقد ناقشت الحلقة الأولى تداعيات قصف ملعب في مخيم عين الحلوة، جنوب لبنان، ومخاطر ذلك على حياة اللاجئين، وطرحت عبر ناشطين أسئلة صريحة حول دور "الأونروا" والفصائل في حماية المخيمات، وما الذي يمكن أن يحدث إذا تكرر القصف. أما الحلقة الثانية، ففتحت ملف إغلاق المنافذ في مخيم البداوي، شمال لبنان، وما ترتب عليه من حصار خانق حوّل المخيم إلى ما يشبه السجن. وناقشت أسباب استدعاء السلطات اللبنانية للصحافيين الذين تناولوا القضية، ودور الفصائل في مواجهة هذه الكارثة. وفي الحلقة الثالثة، طُرح ملف التعليم في "الأونروا" بلبنان، من خلال استضافة مدير سابق فُصل من عمله بسبب موقفه من غزة، تحت ذريعة "سياسة الحياد". جرى نقاش معمّق حول واقع العملية التعليمية، وشوائبها، وانعكاساتها الخطيرة على جيل اللاجئين الفلسطينيين. وبقدر ما شكّل هذا البودكاست حاجة ملحّة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فإنه يبقى لبنة صغيرة في مسار طويل، يبدأ بكسر الصمت، في واقع شديد الحساسية، يُحاصر فيه الفلسطيني بجدار غير مرئي يمنع الحديث بحرية عن حقوقه بوصفه إنساناً، في بلدٍ يتصاعد فيه منسوب العنصرية تجاه الأجانب إلى مستويات بات لبنان يتصدّرها بوضوح.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows