الذكاء الاصطناعي الصيني يطرق أبواب الخليج
Arab
15 hours ago
share
مع تصاعد وتيرة "الحرب الباردة التكنولوجية" بين واشنطن وبكين، تحول "الاكتتاب العام" (IPO) لشركات الذكاء الاصطناعي الصينية من أداة لجمع المال إلى "جسر استراتيجي" للعبور نحو أسواق بديلة، وفي مقدمتها دول الخليج، وهو ما جرى في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث عكس المشهد في أسواق المال معادلة جديدة مفادها: "المال الخليجي مقابل توطين التكنولوجيا". فالشركات الصينية، المحاصرة بقيود التصدير الأميركية ونقص التمويل الغربي، لجأت إلى صناديق الثروة السيادية في السعودية والإمارات بصفتها "المستثمر المنقذ"، ليس عبر الاكتتاب فقط في أسهمها ببورصة هونغ كونغ، بل بقبول شروط قاسية تفرض نقل المقرات التشغيلية ومراكز الأبحاث إلى الرياض وأبوظبي، وهو ما ظهر في الزخم الاستثماري الذي رافق الطرح القياسي لشركة شنغهاي بيرين (Shanghai Biren) في الأيام الأخيرة من عام 2025، حسب تقرير نشرته وكالة رويترز. وعن مدى "نقل التكنولوجيا" فعلياً، تشير الوقائع إلى أن الأمر يتجاوز مجرد فتح مكاتب مبيعات، ليصل إلى ما يُوصف بـ"انتزاع الأسرار التقنية" عبر اتفاقيات الشراكة، فقد كشفت مفاوضات أجريت مؤخراً بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركات تقنية صينية تسعى للدخول في مشاريع "نيوم"، عن اشتراطات صارمة لا تكتفي بالاستثمار المالي، بل تفرض تأسيس مشاريع مشتركة (Joint Ventures) تملك فيها المملكة حصة حاكمة، مع إلزام الشركات الصينية بفتح "الصندوق الأسود" لخوارزمياتها، وتسليم "شيفرات المصدر" (Source Codes) للجهات المحلية لضمان السيادة الرقمية. هذا الاشتراط تذمرت منه بعض الشركات الصينية معتبرة إياه "شرطاً قاسياً" مقابل الوصول للسوق، إلا أنها قبلت به تحت ضغط الحاجة للسيولة والهروب من تشبع السوق المحلي في الصين، وفقاً لتقدير نشره موقع تشاينا بريفينغ (China Briefing)، المعني بتحليل الاستثمارات الأجنبية في الصين. انتقال التكنولوجيا للخليج في هذا الإطار، يشير رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، رجب يورولماز، لـ "العربي الجديد"، إلى أن طروحات الشركات الصينية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للاكتتاب العام (IPOs) تترك أثراً غير مباشر، لكنه استراتيجي، على انتقال التكنولوجيا إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فرغم غياب طروحات مباشرة على البورصات الخليجية، فإن نجاح هذه الشركات في جمع رؤوس الأموال عبر بورصات هونغ كونغ والصين القارية قد منحها المصداقية العالمية والموارد المالية اللازمة لتوسيع نشاطها في الشرق الأوسط. ويتم هذا التوسع عادة من خلال شراكات استراتيجية ذات كثافة رأسمالية، ومشاريع بنى تحتية واسعة النطاق، تمثّل القنوات الأساسية لنقل المعرفة التقنية المتقدمة إلى الأسواق المحلية، حسب يورولماز، لافتا إلى أن انتقال التكنولوجيا يتم عبر ثلاث قنوات رئيسية، أُولاها توطين الخوارزميات والمنتجات، إذ تُعدل الشركات الصينية نماذجها الأساسية لتناسب معالجة اللغة العربية والمعايير الثقافية المحلية. وتمثل إقامة مراكز البيانات والمرافق السحابية الإقليمية ثاني القنوات، وتؤدي إلى توطين التكنولوجيا فعلياً داخل دول الخليج، وهو ما يراه يورولماز عاملاً محورياً في دفع عجلة التقدم التقني بالمنطقة. أما القناة الثالثة، فتتمثل في لعب مختبرات البحث والتطوير المشتركة دوراً حاسماً في تعزيز التعاون والابتكار، إذ يتبادل المهندسون الصينيون الخبرات مع الكوادر الوطنية في مجالات مثل الخوارزميات وأنظمة البرمجيات، وهو ما يظهر بوضوح في مشاريع المدن الذكية والمركبات ذاتية القيادة وتكنولوجيا المعلومات الصحية. ولا يقتصر أثر هذا التدفق الاستثماري على البنية التحتية الرقمية، بل يمتد ليشمل فوائد ملموسة للمواطنين، خاصة من حيث فرص العمل والتأهيل المهني، بحسب يورولماز، موضحاً أن كل مركز ذكاء اصطناعي أو مشروع مشترك كبير من شأنه أن يولد ما بين 150 و250 وظيفة عالية المهارة. وصول مبكر للشيفرات يؤكد الأكاديمي المتخصص في التقنية والتحول الرقمي، وليد كرم، لـ "العربي الجديد"، أن دول الخليج لا تلعب دور المستثمر السلبي في سياق السباق العالمي على هيمنة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بل تحولت إلى لاعب "ممارِس" يسعى لامتلاك التكنولوجيا، لا تمويلها فقط. ويوضح كرم أن مطلع عام 2026 يشهد تحول اكتتاب الصناديق السيادية الخليجية في شركات الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة من أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية إلى استراتيجية منهجية لنقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، لافتاً إلى أن هذه الاكتتابات باتت تدار عبر "شروط تقنية" تفرضها صناديق استثمار خليجية، لا تقتصر على دفع رؤوس الأموال، بل تمتد إلى الحصول على التزامات ملموسة بنقل المعرفة. ففي اكتتاب شركة ميني ماكس (MiniMax) الصينية في هونغ كونغ خلال ديسمبر 2025، ارتبط الدخول الخليجي بإنشاء مراكز بيانات محلية في المنطقة، حسب كرم، الذي يرى أن هذا النموذج يمنح دول الخليج "وصولاً مبكراً" إلى الشيفرات المصدرية ونماذج اللغات الضخمة (LLMs)، التي قد تكون محظورة أو مقيدة بموجب سياسات غربية، ويتيح نقل عمليات تدريب النماذج إلى مراكز حوسبة فائقة. وفيما يتعلق بالأثر العملي على سوق العمل، يشير كرم إلى أن كل مليار دولار يُستثمر في هذا المجال – بشرط توفر اتفاقيات توطين فاعلة – يولد ما بين 500 و800 وظيفة مباشرة عالية القيمة، لافتاً إلى توقعات مفادها أن تؤدي الشراكات الحالية بين الخليج والصين إلى توفير أكثر من 25 ألف فرصة عمل بحلول نهاية 2026 في تخصصات مثل هندسة البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة السحابة الحوسبية. كما يلفت كرم إلى أن شركات صينية كبرى مثل "هواوي" و"علي بابا" بدأت بالفعل تنفيذ مبادرات "المواطنة الرقمية"، استهدفت تدريب أكثر من 100 ألف شاب خليجي خلال العام الماضي وحده على مهارات البرمجة المتقدمة والذكاء الاصطناعي التوليدي. ويؤكد كرم أن الفوائد لا تقتصر على النخب التقنية، بل تمتد إلى المواطن العادي من خلال مسارين رئيسيين، الأول يتمثل في تحسين جودة الخدمات العامة، إذ يؤدي دمج التكنولوجيا الصينية المتقدمة في مشاريع "المدن الذكية" إلى إدارة أكثر كفاءة للمرور، والرعاية الصحية، واستهلاك الطاقة. أما المسار الثاني، فيتجسد في تمكين ريادة الأعمال المحلية، حيث توفر الشركات الصينية "منصات مفتوحة" تتيح للشباب الخليجي تطوير تطبيقاتهم الخاصة فوق بنية تحتية رقمية مشتركة، ما يفتح آفاقا واسعة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الرقمي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows