Arab
بدأت في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، اليوم الاثنين، أولى الخطوات العملية لإعادة تموضع القوات العسكرية خارج النطاق الحضري، في إطار ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة تقودها السلطة المحلية وعضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، وبدعم مباشر من التحالف، وتهدف إلى تقليص الوجود العسكري داخل المدينة وترسيخ الطابع المدني للعاصمة.
وفي هذا السياق، سلّمت قوات العمالقة الجنوبية معسكر جبل حديد، أحد أبرز المعسكرات الواقعة داخل مدينة عدن، إلى قوات أمن المنشآت، في خطوة وُصفت بأنها إيذان ببدء التنفيذ الميداني لخطة إعادة انتشار الوحدات العسكرية خارج الأحياء السكنية، والإبقاء على الأجهزة الأمنية النظامية فقط داخل المدينة. وقالت مصادر في قوات العمالقة الجنوبية لـ"العربي الجديد"، إنّ عملية إعادة التموضع تجري وفق خطة منظمة وبالتنسيق مع وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة والجهات العسكرية ذات العلاقة، وتنصّ على حصر الوجود داخل عدن بقوات الشرطة، وأمن الطرق (النجدة)، وقوات الطوارئ، وأمن وحراسة المنشآت، إلى جانب الوحدات الأمنية ذات الاختصاص، بما يضمن حفظ الأمن العام وحماية المرافق الحيوية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه عدن ترتيبات أوسع لإعادة هيكلة المشهدَين الأمني والعسكري، وسط مساعٍ لإخراج المعسكرات من قلب المدينة، وتقليل المظاهر المسلحة التي ظلت لسنوات أحد أبرز ملامح الحياة اليومية في العاصمة المؤقتة. ويُعد معسكر جبل حديد من المواقع العسكرية الحساسة داخل عدن، نظراً لموقعه المرتفع والمشرف على أجزاء واسعة من المدينة ومينائها، وقد ظلّ طوال السنوات الماضية تحت سيطرة تشكيلات عسكرية مختلفة أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، ما جعله محلّ جدل مستمر حول تأثيره على الطابع المدني للمدينة، وعلى السلامة العامة في الأحياء المجاورة.
ولا يقتصر ملف المعسكرات داخل عدن على جبل حديد فحسب، إذ تضمّ المدينة عدداً من المعسكرات والمواقع العسكرية التي أُنشئت قبل الحرب أو خلال سنواتها، وتحوّلت مع الوقت إلى بؤر توتر أو نقاط نفوذ لقوى عسكرية وأمنية متعدّدة، في ظل تشابك الولاءات وتعدد التشكيلات المسلحة المدعومة من أطراف محلية وإقليمية. وخلال السنوات الماضية، تكررت الدعوات من ناشطين وسلطات محلية ومنظمات مجتمع مدني لإخراج هذه المعسكرات من المدينة، محذرين من مخاطر بقائها داخل الأحياء السكنية، سواء على مستوى الانفلات الأمني أو احتمالات الاستهداف، إضافة إلى تأثيرها السلبي على الحياة المدنية والاستثمار والخدمات.
تغيير مسمى الحزام الأمني
بالتوازي مع إعادة تموضع القوات، أعلن عن توجيهات صادرة عن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي، تقضي بتغيير مسمى قوات الحزام الأمني والوحدات التابعة لها كافة إلى "قوات الأمن الوطني"، واستبدال الشعارات السابقة بشعار رسمي جديد يحمل التسمية الجديدة، وفق ما ذكره المركز الإعلامي التابع لقوات الحزام الأمني. وجاء هذا القرار ضمن الترتيبات الأمنية الجارية في عدن، والتي من المقرّر أن تتولى فيها الأجهزة الأمنية مهام الانتشار وتأمين المحافظة، في إطار مساعٍ لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية وتوحيد مسمياتها، وربطها شكلياً ومؤسّسياً بهياكل الدولة.
وتُعد قوات الحزام الأمني من أبرز التشكيلات الأمنية التي تشكّلت في عدن ومحافظات جنوبية أخرى منذ العام 2016، بدعم مباشر من الإمارات، كقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ولعبت دوراً محورياً في ضبط الأمن ومواجهة الجماعات المسلحة، لكنها في الوقت نفسه وُجهت إليها انتقادات حقوقية وسياسية، على خلفية اتهامات بانتهاكات، وارتباطها بتجاذبات سياسية وأمنية داخل المعسكر المناهض للحوثيين. ويرى مراقبون أن تغيير المسمى، وإن كان خطوة رمزية في ظاهرها، إلّا أنه يعكس توجهاً أوسع لإعادة هندسة المشهد الأمني في عدن، ومحاولة تقديم هذه القوات بوصفها جزءاً من مؤسّسة أمنية وطنية، في سياق الضغوط المحلية والدولية المطالبة بتوحيد القوات المسلحة والأمنية تحت مظلة الدولة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع يقوده التحالف العربي، بقيادة السعودية، لإعادة ترتيب الخريطة العسكرية والأمنية في عدن والمحافظات الجنوبية، في ظلّ تصاعد التحديات الأمنية، وتدهور الأوضاع المعيشية، واستمرار حالة الهشاشة السياسية. وخلال الأشهر الماضية، شهدت عدن دخول قوات جديدة، من بينها قوات "درع الوطن"، وانتشاراً متدرجاً لتشكيلات أمنية يُنظر إليها باعتبارها أقرب إلى هياكل الدولة الرسمية، في مقابل تقليص نفوذ بعض التشكيلات المحلية أو إعادة تموضعها خارج المدن.
ويهدف هذا التوجه، بحسب مراقبين، إلى إنهاء حالة تعدّد مراكز القوة، وتحسين التنسيق الأمني، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لعمل الحكومة، في وقت تواجه فيه العاصمة المؤقتة تحديات جسيمة، تتراوح بين الانفلات الأمني، وتراجع الخدمات، واحتقان الشارع.
بين الأمن والطابع المدني
وفي حين ترحب قطاعات من سكان عدن بأي خطوات من شأنها تقليص الوجود العسكري داخل المدينة، وتحسين الإحساس بالأمن، تبقى المخاوف قائمة من أن تظلّ هذه الإجراءات جزئية أو شكلية، ما لم تُستكمل بإصلاحات أعمق تشمل توحيد القرار الأمني، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية. ويرى محللون أن نجاح خطة إخراج المعسكرات وإعادة تسمية القوات الأمنية مرهون بمدى التزام الأطراف المختلفة بتنفيذها، وقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة، وتحويل عدن من ساحة صراع نفوذ إلى عاصمة مؤقتة مستقرة، قادرة على أداء دورها السياسي والإداري في مرحلة بالغة التعقيد من تاريخ اليمن.

Related News
أول تعليق من أشرف عبدالباقي عن مسرحية عائلة الشماشرجي
al-ain
7 minutes ago
سعيد الملا.. نجم من أصول عربية ينافس كبار أوروبا
al-ain
8 minutes ago
مؤتمر دولي في الرياض يبحث استدامة المدارات الأرضية
aawsat
12 minutes ago