انطلاق دافوس 2026: تفاؤل رسمي وواقع اقتصادي هش
Arab
6 days ago
share
تنطلق، اليوم الاثنين، فعاليات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية، في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد العالمي، إذ تتقاطع المخاطر الجيوسياسية مع الاقتصادية والأمنية، ورهانات التعافي والنمو مع ضغوط التضخم، وتباطؤ الطلب، وتشديد الأوضاع المالية، ما يجعل دورة هذا العام اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصادات الكبرى على إقناع الأسواق بسرديات الاستقرار والجاذبية الاستثمارية في عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين. وتنعقد دورة هذا العام خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير/كانون الثاني تحت شعار "روح الحوار"، ويشارك فيها نحو ثلاثة آلاف شخصية من أكثر من 130 دولة، من بينهم قرابة 400 قائد سياسي رفيع المستوى، يشملون نحو 65 رئيس دولة أو حكومة، إلى جانب ستة من قادة دول مجموعة السبع. ويأتي دافوس هذا العام وسط فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي تروجه الحكومات عن الاستقرار والمرونة الاقتصادية، وبين مؤشرات كلية تعكس ضغوطاً متزايدة على الاستهلاك والاستثمار والإنتاج في عدد واسع من الاقتصادات المتقدمة والناشئة. فبينما تسعى دول عدّة إلى تسويق نفسها بوصفها وجهات جاذبة لرأس المال العالمي في بيئة مضطربة، تظهر البيانات أن الاقتصاد العالمي لا يزال يفتقر إلى محركات نمو قوية ومستدامة خارج نطاق الإنفاق الحكومي. وفي هذا السياق، تحضر بريطانيا إلى دافوس نموذجاً يعكس هذا التناقض، إذ تعرض لندن سردية تفاؤلية تركز على الاستقرار القانوني والمرونة المؤسسية وقدرتها على جذب الاستثمارات، في وقت تكشف فيه البيانات المحلية عن تراجع في إنفاق المستهلكين، وحذر ممتد في سوق العمل، وضعف نسبي في ديناميكية القطاع الخاص. غير أن هذه الصورة لا تقتصر على بريطانيا وحدها، بل تمتد إلى عدد من الاقتصادات الأوروبية، وحتّى بعض الاقتصادات الكبرى، التي تواجه تحديات متشابهة تتعلق بارتفاع كلفة الطاقة، وضغوط الأجور، وتشديد السياسات المالية، واستمرار آثار التشديد النقدي. تفاؤل رسمي وواقع اقتصادي هش وتطرح لندن نفسها هذا العام بوصفها وجهة "آمنة ومبتكرة" في عالم يتّسم بالاضطراب وعدم اليقين. ففي تصريحات حديثة، عرض كلٌّ من رئيس الوزراء كير ستارمر ووزيرة الخزانة ريتشل ريفز ما اعتبروه "مقوّمات قوة" تجعل المملكة المتحدة قادرة على جذب رأس المال العالمي، بدءاً من المرونة الاقتصادية وصولاً إلى البيئة القانونية المستقرة. بيد أنّه خلف هذا الخطاب المتفائل، يبرز واقع اقتصادي أكثر تعقيداً. فقد أظهرت أحدث البيانات تراجع إنفاق المستهلكين في ديسمبر/ كانون الأول 2025 بأكبر وتيرة سنوية منذ مطلع 2021، في ظلّ ضغوط الأسعار وتراجع الثقة وتخوّف الأسر من الأوضاع الضريبية والدخل.  وفي سوق العمل، ظهرت بوادر حذر لدى الشركات رغم نمو الأجور في بعض القطاعات، ما يعكس بيئة يصعب وصفها بالاستدامة أو القوة. هذا التباين بين الصورة السياسية والمؤشرات الاقتصادية يُعد اليوم محوراً للمناقشات قبل دافوس: هل تنجح بريطانيا في إقناع المستثمرين بسرديتها عن الجاذبية والاستقرار؟ أم أنّ البيانات المحلية ستدفعهم إلى إعادة التقييم؟ وعلى المستوى الداخلي، تعكس مؤشرات متتالية اتجاهاً احترازياً في قطاعات عدّة. فقد أظهرت الاستبيانات الاقتصادية تباطؤ الاستقدام الدائم للشهر التاسع والثلاثين على التوالي، وهي مدة طويلة تعكس انكماش نيّات الشركات في توسيع القوة العاملة تحت ضغط تكاليف التشغيل والضرائب على الرواتب. ومع أن بعض القطاعات شهدت نمواً في الأجور الأولية، إلّا أن وتيرة نموها بقيت أدنى من متوسطها التاريخي وهو ما يفسّره اقتصاديون على أنه أزمة ثقة وليست دورة توسع فعلية. وتتسق هذه المؤشرات مع مستويات ثقة الأعمال، إذ أشار معهد المحاسبين القانونيين في إنكلترا وويلز إلى أن ثقة الشركات خلال الربع الأخير من 2025 هبطت إلى أدنى مستوياتها في ثلاث سنوات، متأثرة بالضرائب الجديدة والحوافز التنظيمية الضعيفة. وفي لندن، أظهرت غرفة التجارة والصناعة تراجعاً واضحاً في التوقعات الاقتصادية وتوجهاً لدى الشركات إلى تأجيل الاستثمار في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وضيق هوامش الربحية. أكبر العوائق وفي سياق المشهد الصناعي والاستثماري داخل بريطانيا، حصلت "العربي الجديد" على تعليقات حصرية من فهين خان، كبير الاقتصاديين في منظمة مصنّعي المملكة المتحدة (Make UK)، أشار فيها إلى أنّ الثقة الاستثمارية لدى المصنّعين تبقى هشة رغم بعض مؤشرات التحسّن في الأفق. وقال خان إنّ النصف الأول من هذا العقد شهد ارتفاعاً حاداً في تكاليف التشغيل، من أسعار الطاقة إلى الأعباء الضريبية، وهو ما دفع العديد من الشركات إلى توجيه السيولة نحو مشاريع تضمن البقاء بدلاً من التوسع. وعلى الرغم من ذلك، يرى خان أنّ العام المقبل قد يكون "تحدياً منصفاً" يسمح بالاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحلول الخضراء، لكنّ تكلفة العمالة تبقى أكبر العوائق في ظلّ ارتفاع الحد الأدنى للأجور والضرائب المرتبطة بالتوظيف والتشريعات الجديدة في مجال حقوق العاملين، الأمر الذي قد يدفع الشركات إلى الاستثمار في رفع مهارات القوى العاملة وربما الأتمتة لتعويض هذه الكلفة. وفي ما يتعلق بالضغوط الضريبية والتنظيمية على قرارات الاستثمار، لفت خان إلى أنّ ثقة المصنّعين في الاقتصاد المحلي تأتي في مقدمة محدّدات الاستثمار، تليها الحاجة إلى تحديث الآلات والمعدات. وتُظهر أحدث استطلاعات "ميك يو كي" أنّ الشركات تتجه إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في العمالة والمهارات على حساب المعدات الرأسمالية من أجل التكيّف مع متطلبات الأجور والحقوق الجديدة. ويشير خان إلى أنّ ضرائب محلية مثل "رسوم الأعمال" تشكل عائقاً أمام الاستثمار في الإنتاجية، بينما تؤثر التغييرات المطروحة في ضرائب الأرباح الرأسمالية والميراث في خطط انتقال الإدارة داخل الشركات. أما في مستوى الإشارات السياسية الداعمة للاستثمار الرأسمالي، فيرى خان أنّ هناك ثلاثة حوافز ضريبية تشكل ركائز مهمة في هذا المسار، وهي إعفاءات الأصول الرأسمالية وائتمانات البحث والتطوير وإعفاء صندوق البراءات التي تُعد من أكثر الأنظمة سخاءً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بيد أنّه يوضح أنّ تطوير هذه الأنظمة بحيث تشمل البرمجيات والاستثمار في الذكاء الاصطناعي من شأنه تعزيز جاذبية بريطانيا أمام المستثمرين، غير أنّ التوازن بين الحوافز والضرائب ما يزال يميل في الاتجاه الخاطئ، في ظلّ وجود ضرائب أخرى مثل التأمين الوطني ورسوم الأعمال وضرائب الأرباح الرأسمالية وضعف الاستثمار العام في البنية التحتية والتعليم، وهو ما قد يُضعف أثر تلك الحوافز على القدرة التنافسية للقطاع الصناعي. رؤية الأسواق  تُظهر أسواق المال بدورها قراءة حذرة للمشهد الاقتصادي. فقد انخفضت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل مقارنة بنهاية 2025، في ضوء توقعات بخفض أسعار الفائدة بعد تراجع معدلات التضخم تدريجياً نحو المستهدف. وغالباً ما ترى الأسواق في هذا المسار تمهيداً لانخفاض كلفة الاقتراض وتعزيز الطلب على الاستثمارات طويلة الأجل، إذا استمرت الأسعار في اتجاهها الهابط. وفي الإطار نفسه، اطّلعت "العربي الجديد" على تحليل اقتصادي صادر عن مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس وصل عبر مكتبها الإعلامي في لندن، تضمن تقييماً حذراً للمشهد الاقتصادي في المملكة المتحدة خلال عام 2026. يرجّح التحليل أن يكون الجزء الأكبر من النمو المحقق في السنوات الأخيرة نتيجة الإنفاق العام، في حين يظهر القطاع الخاص بمناخ استثماري واستهلاكي ضعيف، إلى جانب ضغوط مستمرة في سوق العمل وتراجع في القدرة التصديرية. يشرح التقرير أنّ مساهمة الإنفاق الحكومي في النمو خلال السنوات الثلاث الماضية كانت "استثنائية" من حيث الحجم، إذ شكّلت الغالبية الساحقة من الزيادة في الناتج المحلي، رغم أنّ القطاع العام لا يمثل سوى ربع الاقتصاد. وبحسب التحليل، تعكس هذه التركيبة غياب محرك نمو مستدام في القطاع الخاص، إذ تبدو الأسر أكثر ميلاً للاحتفاظ بالادّخار بدلاً من الإنفاق، في حين تتعرّض الشركات لضغوط مالية ناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة والأجور والضرائب على الرواتب، ما يحدّ من قدرتها على الاستثمار وتمويل التوسّع من مواردها الداخلية. وفي الجانب الخارجي، يشير التقرير إلى أنّ البيئة التجارية لا توفر دعماً يُذكر للنمو، في ظل أداء ضعيف للصادرات البريطانية منذ الخروج من الاتحاد الأوروبي وغياب تحسّن واضح في القدرة التنافسية، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة وتزايد المنافسة الصينية في الصناعات التحويلية. ويُضاف إلى ذلك أنّ بريطانيا لم تستفد حتى الآن من موجة الاستثمار العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي كما استفادت منها الولايات المتحدة والصين، سواء على مستوى البنية الصناعية أو الإنفاق على التكنولوجيا، ما يحدّ من فرص توليد موجات نمو جديدة في القطاعات الوليدة. أما على صعيد الأسعار والسياسة النقدية، فيتوقع التقرير أن يبقى التضخم خلال 2026 فوق المستوى المستهدف لبنك إنكلترا، رغم تراجع مساهمة الغذاء والطاقة في ارتفاع الأسعار. ويؤكد أن انقسام لجنة السياسة النقدية بين من يخشى ترسّخ التضخم ومن يراهن على إبراز مؤشرات التباطؤ الاقتصادي سيجعل مسار الفائدة حذراً ومحدوداً، مرجحاً خفضاً تدريجياً في تكاليف الاقتراض من دون تحول جذري في السياسة النقدية. ويرى التحليل أنّ السوق البريطانية قد تشهد ضغوطاً إضافية في حال تراجع الجنيه الإسترليني، بما قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة في اقتصاد شديد الانفتاح على الواردات. في المحصلة، تبدو بريطانيا عالقة بين خطاب رسمي يَعِد بالمرونة والجاذبية، وواقع اقتصادي لا يزال خاضعاً لاختبارات بنيوية تتعلق بالقطاع الخاص والقدرة الإنتاجية والتصديرية. وعلى الرغم من توقعات دولية تشير إلى نمو معتدل في 2026 يقارب 1.2% وتراجع تدريجي للتضخم، فإن موقع المملكة المتحدة يظل متوسطاً ضمن الاقتصادات الصناعية المتقدمة، في وقت ترجّح فيه مؤسسات عالمية مثل البنك الدولي نمواً عالمياً بنحو 2.6% خلال العام نفسه. هذا السياق يجعل المنافسة على رؤوس الأموال أكثر احتداماً، فيما تراهن لندن على منتدى دافوس لتثبيت سردية "الاستقرار والقدرة على التكيّف" مستفيدة من إشارات تيسير في السياسة النقدية واحتمالات خفض الفائدة، غير أنّ المزاج الاستثماري داخل السوق يبقى حذراً، ما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول مدى قدرة بريطانيا على تحويل هذه السردية إلى نتائج ملموسة خلال الفترة المقبلة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows