Arab
يتفق كثير من الأميركيين على أن الوضع الاقتصادي في بلادهم وربما العالم، بات متمحورا حول شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومواقفه وتصريحاته السياسية. فقد شهدت الأسابيع الأولى من العام الجاري مزيداً من المغامرات السياسية لترامب، والتي يقر كثيرون بأنها تمثل في كل مرة تجاوزاً للحدود التي من المفترض أن تزيد من قلق الأسواق، بدءاً من التدخل العسكري في فنزويلا والحديث عن احتلال غرينلاند، وفتح تحقيق مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وإعلان الرئيس أنه يريد وضع حد أقصى لفوائد القروض بنسبة 10% وإلى إصدار ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على واردات أميركا من الرقائق فائقة التطور بزعم حماية الأمن القومي وحفز هذه الصناعة داخل الولايات المتحدة.
كان متوقعاً في ظل هذه التطورات أن تكون ردات فعل الأسواق والمستثمرين سلبية أو أن تبدي مزيداً من التحفظ، لكن العكس هو ما يحدث. فبدلاً من التراجع، تواصل الأسواق صعودها الصاروخي في استمرار لنهج المخاطرة التي أصبحت توفر غطاء لتحركات الرئيس الأميركي الجامحة، بحسب بعض المراقبين، بينما لا تنعكس بالإيجاب على معيشة الأميركيين العاديين.
وتقول وكالة بلومبيرغ في تقرير نشرته السبت إن تدفّقات شهر يناير/كانون الثاني الحالي على الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) المركّزة على الأسهم تسير بوتيرة تعادل خمسة أضعاف المتوسط المعتاد لهذا الشهر، حيث استقطبت هذه الصناديق رقماً قياسياً بلغ 400 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في مؤشر على مدى شراهة شهية المخاطرة. وتبلغ أصول الصناديق ذات الرافعة المالية التي تراهن على الصعود، 145 مليار دولار، مقارنة بـ12 مليار دولار فقط في الصناديق التي تراهن على تراجع الأسواق. أما أسواق الائتمان فتتصرف كما لو أننا في عام 2007، في وقت تضيق فيه فروق العائد على السندات عالية المخاطر حتى مع تسارع اقتراض الشركات.
علاقة تبادلية؟
وبحسب تقرير لـ "بنك أوف أميركا" أصدره في ديسمبر/كانون الأول الماضي فإن الأسواق، ورغم ما أقدم عليه ترامب منذ إبريل/ نيسان الماضي من رسوم جمركية أدت إلى فوضى عالمية، تعيش حالة من التفاؤل هي الأعلى منذ ثلاثة أعوام ونصف العام. وقد جاءت تقديرات البنك بعد مسح شمل 238 من مديري الصناديق المالية، أعربوا عن قناعتهم بأن الظروف الاقتصادية الكلية تصب في صالح استمرار دعم الأسواق. الصورة التي بنى عليها بنك أوف أميركا توقعاته، بحسب استطلاعه، تشير إلى أن خوفهم الوحيد يتعلق بضرورة تنويع الاستثمارات والبحث خلال ما تبقى من العام عن أرضية خارج قطاع الذكاء الاصطناعي ومدخلاته، وهو القطاع الذي قاد صعود وول ستريت في العام الماضي. بخلاف ذلك لا يبدو أن الأسواق السياسية تتأثر بحديث السياسة حتى وإن تمثل في تهديدات من ترامب.
لكن ثمة مخاوف من ارتباط الأسواق بتحركات ترامب أو العكس، فتدهور الأسواق كان يمكن أن يكون الكابح الوحيد لجموح الرئيس الأميركي، استناداً إلى نفوذ طبقة رأس المال في غياب القوى السياسية. لكن ما يحدث الآن وبحسب ما نقلت بلومبيرغ عن مارك مالك، كبير مسؤولي الاستثمار في "سيبرت فاينانشال" فإن "الرئيس يستخدم الأسواق حالياً مؤشراً لتقييم الأداء، وهذا المؤشرـ من وجهة نظر الرئيس، يبدو رابحاً. ومن شأن ذلك بالتأكيد أن يدفع الإدارة إلى محاولة تمديد سلسلة الانتصارات عبر التوغّل أكثر في ذلك الجزء من كتاب السياسات الذي لم تستخدمه حتى الآن. وبعبارة أخرى: توقّع غير المتوقع".
ورغم كل ما يقال في الأدبيات الاقتصادية عن "جبن" رأس المال، تشير الحالة الراهنة للأسواق الأميركية والدولية إلى أن تجاهل مخاطر السياسة، وتقمص روح المخاطرة تعود بالربح، حتى الآن على الأقل.
متاعب الناخبين
لكن الصورة الكلية لاقتصاد ترامب لا تبدو مبهجة للجميع، فبينما تنتشي الأسواق، تظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين بدؤوا يفقدون الثقة في إدارة ترامب وفريقه للاقتصاد. وبحسب استطلاع لصحيفة "وول ستريت جورنال" فإن عدداً متزايداً من الناخبين لا يشعرون بالرضى عن الوضع الاقتصادي ويعتبرونه متمحوراً حول "اقتصاد ترامب". وبحسب نتائج الاستطلاع التي نشرت السبت فإن عدد من يرون الاقتصاد ضعيفاً يزيد بنسبة 15% عمن يرونه قوياً، وهو ما يمثل زيادة كبيرة في نسبة المتشائمين حيث كان الفارق بين الجانبين 4% في يوليو/ تموز الماضي.
كما يرى حوالي نصف الناخبين أن الاقتصاد قد تدهور خلال العام الماضي، مقابل 35% يرون تحسناً. وتعكس هذه النتائج استمرار انفصال طويل الأمد بين المؤشرات التقليدية للتضخم والنمو الاقتصادي، والتي تظهر أداءً إيجابياً نسبياً، والنظرة العامة السلبية لدى الجمهور. تشير هذه المؤشرات إلى تحذيرات للرئيس ترامب والحزب الجمهوري، حيث يرى الناخبون أنه يركز على الشؤون الخارجية ومسائل أخرى على حساب اهتماماتهم الأكثر إلحاحاً، مثل ارتفاع الأسعار والوضع الاقتصادي العام.
وقد دأب ترامب في حملته الانتخابية 2024 على لوم الأداء الاقتصادي للديمقراطيين، مؤكداً أنه وحده من يستطيع إصلاح الاقتصاد بسبب خبراته السابقة رجلَ أعمالٍ ومطوراً عقارياَ. لكن درجة الرضى عن إدارته للاقتصاد في الوقت الراهن تمثل رسالة تحذيرية له وللحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نهاية العام، إذ يوافق 45% من الناخبين على أداء الرئيس، بينما يعارض 54%، بفارق 9 نقاط، مقارنة بفارق 6 نقاط في استطلاع سابق للصحيفة في يوليو الماضي.

Related News
أول تعليق من أشرف عبدالباقي عن مسرحية عائلة الشماشرجي
al-ain
8 minutes ago
سعيد الملا.. نجم من أصول عربية ينافس كبار أوروبا
al-ain
9 minutes ago
مؤتمر دولي في الرياض يبحث استدامة المدارات الأرضية
aawsat
13 minutes ago