Arab
من المؤسف أو المضحك أو المبكي، أو حتى على سبيل السخرية، ارتباط يوميات كوكبنا بشخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب. جميعنا، من دون استثناء، ننتظره، أحببناه أم كرهناه. الرجل أضحى تجسيداً لكل ما يلي الانتظارات. في المنطقة الممتدّة من أقصى شمال غربي أفريقيا إلى أقصى جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية، يبدأ يومنا بين الساعة 11:30 صباحاً و2:30 ظهراً، أي في المساحة الزمنية الممتدّة في طول المسافة الجغرافية للدول العربية. تشنجات. استنفارات. تأهّب دائم. إذا تحدّث عن إعادة اعتماد بعض الأطعمة في المدارس، علينا أن نحسب جيّداً كلفة ذلك لدينا. يكفي أن رسومه الجمركية لم ترحم سوى القلّة. الأخبار العاجلة، أو ما تُعرف بـ"العواجل"، تبقى أكثر اضطراباً وتشويقاً حين يكون اسمه مرتبطاً بها. لا يهمّ إن تحدّث عن غزّة أو إيران أو أوكرانيا أو غرينلاند أو ولاية مينيسوتا؛ لكل خبر عاجل حكاية مرتبطة بنا، مهما تباعد التشابه المكاني والزماني والخبري مع الحدث، حتى لو كان توجيه إشارة نابية وشتيمة إلى أحد الأشخاص في ديترويت أخيراً.
لماذا ترامب؟ لأسباب عدّة، لعلّ أبرزها معرفته بمكامن قوة النظام الأميركي واستغلالها إلى أبعد الحدود. يكفي أن ما يفعله كلّه تقريباً يتم تحت غطاء القانون، وإن كان غير عادل ومؤذياً للداخل والخارج. الفارق بين الرئيس السابع والأربعين لأميركا وغيره أن الغالبية لم تتطرّف إلى الحدّ الذي جنح إليه ترامب. يتعلّق الأمر خصوصاً بجزيرة غرينلاند الدنماركية، التي عادت لتتصدّر أولوياته لأسباب أبعد من مجرّد اختراق روسي أو صيني لها. ها هو تمكّن من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في الثالث من يناير/ كانون الثاني الحالي، من دون تورّط بكين وموسكو لنجدة حليفهما. ووفقاً لهذا المنطق هما أعجز من السيطرة على غرينلاند أو مضائقها وطرق الملاحة فيها. لا تسيطر موسكو على البحر الأسود كاملاً من جهة، وبكين عاجزة عن قطع مسافة تراوح بين 130 و140 كيلومتراً لضم تايبيه إليها. روسيا تخشى الولايات المتحدة في البحر الأسود، والصين تخشاها في مضيق تايوان؛ فأيّ توغل صيني وروسي في غرينلاند يخشاه ترامب؟
من الضرورة التشديد على أن ترامب لا يستخدم نبرةً حادّةً في العادة ضدّ الصين وروسيا، وهو ما يجعل من "خشيته" من تغلغلهما في غرينلاند مجرّد تضليل أو عملية خداع، كما يفعل في الملفّ الإيراني، أو في الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي غزّة. دائماً ما يقول الشيء ونقيضه. تراه مستعدّاً لدكّ معاقل النظام الإيراني وإطاحته، ثم يتحدّث عن أن طهران أوقفت عمليات الإعدام. يتهم أوكرانيا بأنها تعرقل عملية السلام في غزو روسيا لها، ثم يهدّد موسكو بضخّ صواريخ توماهوك إلى كييف. تجده مستقبلاً الأوروبيين في البيت الأبيض ويسامرهم، قبل أن ينقلب في اليوم التالي عليهم، ضارباً عُرْضَ الحائط بكل مفاهيم التحالف بين ضفتَي المحيط الأطلسي.
للوهلة الأولى، يمكن التصوّر أن ما يفعله ترامب غير مقبول وخارج المألوف، وربّما مرتبطاً بشخصيته، وضمناً صحّته، وهو ما قد يبرّر تناقضاته وبروزه شخصاً "لا يمكن التنبّؤ بتصرّفاته"، مثل أيّ شخص مصاب بجنون عظمة ما. هذا للوهلة الأولى. أما في الواقع، فإن ترامب "الحقيقي" ليس فقط شخصاً ينتقم من ماضٍ بعيد فحسب، بل أيضاً رجلٌ تجاوز المفهوم الاعتيادي للتسويق الإعلامي والإعلاني، مشابِهاً لمن يدعون أنفسهم "مؤثّرين" في وقائع التواصل الاجتماعي. فضلاً عن أن صوره المعدّلة لإظهاره شخصية حديدية أو "جبلاً يسير على قدمين" تكشف حاجةً دفينةً لديه أكثر منها رسالة إخضاع بصري للعالم.
ذلك كلّه، ولا يزال أمامنا ثلاث سنوات من ولاية ثانية أنهت عامها الأول بعقد الصفقات بصورة دبلوماسية، وتبدأ الثانية بفرض الصفقات بالقوة. وهنا لا يمكن تخيّل صورة ما تبقّى حتى 20 يناير 2029، لكنّنا سنبقى أسرى أدرينالين يصنعه ترامب.

Related News
أرتيتا: مان يونايتد قدّم عرضاً رائعاً
aawsat
13 minutes ago
كاريك: حصدنا ثمار هجومنا الإيجابي أمام آرسنال
aawsat
18 minutes ago
هيمنة إنجليزية.. الأندية الأكثر إنفاقا في تاريخ كرة القدم
al-ain
21 minutes ago