Arab
لا يبدو أن خروج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، أواخر الأسبوع الماضي، سيضع حداً للتوتر بينها وبين الحكومة السورية، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن ريف حلب الشرقي قد يكون مسرح صدام جديداً بين الجيش السوري و"قسد"، وتحديداً بلدتي دير حافر ومسكنة، مع إعلان الجيش اليوم الثلاثاء هذه المنطقة "عسكرية مغلقة" على خلفية ما قال إنه تصاعد في نشاط "قسد" ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وفلول من النظام المخلوع. وفي حين تثير هذه التطورات مزيداً من التساؤلات حول مصير اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، لدمج هذه القوات ضمن الدولة السورية، فإن الوقائع تشي بأن هذا الحسم الميداني يستبق راهناً التفاهمات السياسية.
منطقة عسكرية في ريف حلب الشرقي
وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، تحويل منطقة واسعة في ريف حلب الشرقي، شمالي سورية، تمتد بين دير حافر ومسكنة، إلى منطقة عسكرية مغلقة، على خلفية ما قالت إنه تصاعد في نشاط "قسد" ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وفلول من نظام بشار الأسد. وطالبت جميع المجموعات المسلحة الموجودة داخل النطاق المعلن بالانسحاب باتجاه شرق نهر الفرات، مؤكدة أن الجيش "سيتخذ كل الإجراءات اللازمة" لمنع استخدام المنطقة نقطة انطلاق لهجمات جديدة. وجاء الإعلان مرفقاً بخريطة توضح نطاق المنطقة المحددة باللون الأحمر، والتي قال الجيش إنها تُستخدم نقطة انطلاق لطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية استهدفت مدينة حلب خلال الفترة الماضية. ودعت هيئة العمليات المدنيين المقيمين في محيط المنطقة إلى الابتعاد عن مواقع انتشار "قسد"، محذّرة من خطورة البقاء قرب نقاط تمركز الفصائل المسلحة، في ظل احتمالات تنفيذ عمليات عسكرية. وتقع المنطقة المشمولة بالتحذير في واحدة من أكثر مناطق ريف حلب الشرقي حساسية، إذ تمتد من محيط دير حافر مروراً بقواص وبابيري وصولاً إلى مسكنة، على الضفة الغربية لبحيرة الأسد، وتشكل عقدة جغرافية قريبة من خطوط التماس بين الجيش السوري و"قسد". وأعلنت إدارة منطقة منبج، شرقي حلب، تعليق الدوام في مدارس بلدة الخفسة والمدارس الواقعة في محيط المنطقة العسكرية التي أعلنت عنها وزارة الدفاع، حرصاً على سلامة الطلاب والكادر التدريسي. وأوضحت الإدارة في تعميم رسمي أن القرار يأتي بسبب "التطورات الأمنية"، على أن تُستكمل الامتحانات مع بداية الفصل الدراسي الثاني.
دعا الجيش السوري جميع المجموعات المسلحة الموجودة داخل النطاق المعلن منطقة عسكرية للانسحاب باتجاه شرق نهر الفرات
وأمس الاثنين، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، عن هيئة العمليات في الجيش السوري إعلانها أنها رصدت "وصول المزيد من المجاميع المسلحة إلى نقاط انتشار تنظيم قسد بريف حلب الشرقي، قرب مسكنة ودير حافر". وتابعت: "بحسب مصادرنا الاستخباراتية، فإن هذه التعزيزات الجديدة ضمت عدداً من مقاتلي تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي وفلول النظام البائد"، مضيفة أن "استقدام تنظيم قسد لمجاميع إرهابية هو تصعيد خطير، وأي تحرك عسكري ستقوم به هذه المجاميع سيقابل برد عنيف. لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه هذا التصعيد الخطير". كما نقلت وكالة "سانا" عن مصدر عسكري أن "تعزيزات جديدة للجيش السوري وصلت إلى نقاط الانتشار في دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، وذلك بعد استقدام تنظيم قسد مجاميع إرهابية من العمال الكردستاني وفلول النظام البائد على المحور نفسه". وكانت وزارة الدفاع السورية قد ذكرت، السبت الماضي، أن قوات "قسد" تحشد في دير حافر، إلا أن المركز الإعلامي لـ"قسد" نفى ما قال إنها "ادعاءات مضللة نشرتها وزارة الدفاع التابعة لحكومة دمشق حول وجود تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتنا على جبهة دير حافر"، مؤكداً عدم وجود أي تحركات أو استعدادات غير طبيعية. وأفادت وكالة فرانس برس اليوم بأن القوات الحكومية السورية استقدمت تعزيزات عسكرية إلى منطقة دير حافر، فيما ذكرت وكالة "سانا" أن الجيش السوري استهدف مواقع "قسد" بمحيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية، رداً على استهداف الأخيرة محيط قرية حميمة، شرقي حلب، بالطائرات المسيرة. كما نقلت "سانا" عن مصادر عسكرية أن الجيش أفشل محاولة عناصر "قسد" تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم قرب دير حافر، شرق حلب.
وتقع دير حافر إلى الشرق من مدينة حلب بنحو 50 كيلومتراً، وتنبع أهميتها من قربها من حلب، فضلاً عن كونها عقدة مواصلات، وسيطرة الحكومة السورية عليها تعني إبعاد الخطر عن حلب وفتح الطريق للتوجه شرقاً. وتقع منطقتا دير حافر ومسكنة جنوب نهر الفرات أو غربه اصطلاحاً، ما يشير إلى أن وزارة الدفاع السورية ربما تعتزم دفع قوات "قسد" إلى شمال نهر الفرات أو شرقه. وتسيطر قسد على شريط واسع النطاق الجغرافي جنوب نهر الفرات من دير حافر غرباً إلى ريف الرقة الجنوبي الشرقي شرقاً على امتداد أكثر من 100 كيلومتر وبعمق يصل في بعض المواقع إلى أكثر من 30 كيلومتراً. وفي قلب هذا الشريط تقع مدينة الطبقة (شرقي حلب بنحو 100 كيلومتر)، التي تضم السد المائي الأكبر في البلاد (سد الفرات)، إضافة لكونها عقدة مواصلات مهمة.
حزب العمال الكردستاني على الخط
ودخل حزب العمال الكردستاني على الخط، إذ اعتبر أن المعارك التي شهدتها حلب أخيراً بين الجيش السوري "وقسد" ترمي إلى "تقويض وقف إطلاق النار" بين أنقرة ومقاتلي الحزب، وقال في بيان نقلته وكالة فرات للأنباء الموالية للحزب إن ما وصفها بـ"عصابات ومرتزقة تابعين للدولة التركية" شاركوا في المعارك، معتبراً أن ذلك "يقوّض وقف إطلاق النار" بينه وبين تركيا، "فضلاً عن عملية السلام والديمقراطية الناتجة عنها". وقال الحزب في بيان نقلته وكالة فرات للأنباء الموالية للقوميين الأكراد إن "هذه الهجمات على الأحياء الكردية (في حلب)، مع الإشارة المتكررة إلى حزب العمال الكردستاني" تهدف إلى "تقويض حركة التحرير ووقف إطلاق النار الذي التزمت بدقة بتنفيذه"، وسأل كيف يمكن في ضوء ذلك "تنفيذ نداء القائد آبو (في إشارة إلى الزعيم التاريخي للحزب عبد الله أوجلان) إلى إنهاء الكفاح المسلح؟". وكان أوجلان المسجون انفرادياً منذ عام قد دعا من زنزانته في فبراير/ شباط 2025 مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى وضع حد للكفاح المسلح. وأعلن الحزب وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد في الأول من آذار/ مارس، ثم حلّ نفسه في 12 مايو/ أيار الماضي.
اعتبر حزب العمال أن المعارك التي شهدتها حلب أخيراً بين الجيش السوري "وقسد" ترمي إلى "تقويض وقف إطلاق النار" بين أنقرة ومقاتلي الحزب
في المقابل، قالت صحيفة حرييت التركية إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شدد على أن عملية طرد "قسد" من مدينة حلب تعد فرصة لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس. ونقلت وسائل إعلام تركية، منها "حرييت"، تصريحات أردوغان في اجتماع اللجنة التنفيذية للحزب الذي جرى الاثنين في أنقرة، وفيها أوضح أردوغان أنه لا يمكن السماح من قبل تركيا "بتقويض الأخوّة بين الأتراك والعرب والأكراد، ويجب إدارة المرحلة بحساسية وحذر من أي استفزازات"، قاصداً مرحلة تركيا خالية من الإرهاب، واتفاق العاشر من مارس التي تعتبرها الحكومة التركية متصلة بالمسار في تركيا. وأكد أردوغان أنه تم اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع أي وضع من شأنه تهديد أمن تركيا، مشدداً على أن "تطهير حلب من عناصر وحدات الحماية الكردية يعد إنجازاً هاماً في سبيل إرساء سلام وهدوء وأمن دائمين في سورية"، مضيفاً أنه على الرغم من المطالب المتشددة وغير المنطقية للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، فإن الحكومة السورية تعمل وفق نهج شامل، واستمرار هذا النهج يصب في مصلحة الشعب السوري.
وتعليقاً على تصاعد الأحداث في ريف حلب الشرقي، رأى المحلل العسكري العميد فايز الأسمر، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "دير حافر ومسكنة لهما أهمية ميدانية، فهما تربطان حلب مع الرقة وصولاً للحدود العراقية"، كما أوضح أنه "من الناحية التكتيكية لا تستطيع قسد التمسك بهما"، مضيفاً أن ريف حلب الشرقي أراض منبسطة ومرصودة للطيران وسهلة لتحرك الدبابات والآليات المجنزرة والمدولبة.
من جهته، رأى الباحث المساعد في مركز الشرق الأوسط للدراسات سامر الأحمد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التصعيد من جانب الحكومة "ردة فعل على تحشيد قوات قسد في منطقة دير حافر". وبرأيه، فإنّ الحكومة "تريد تأمين مدينة حلب بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والتي انطلقت من ريف حلب الشرقي وتحديداً من دير حافر"، وأعرب عن اعتقاده بأن التحرك من قبل وزارة الدفاع السورية "لا يصب في اتجاه إجراء فصل ديمغرافي ما بين غربي الفرات وشرقه"، مضيفاً أن فلول النظام وكوادر حزب العمال الكردستاني في قوات قسد هم الذين يهددون حلب، لذا وجدت الحكومة أن دفع هذه المجموعات إلى شرقي الفرات يبعد التهديد عن حلب. وبرأيه، فإن الحكومة "ستطالب قسد بتطبيق اتفاق مارس 2025 والدخول بمفاوضات جادة"، لافتاً إلى أن "دمشق اليوم تملك أوراقاً مهمة بعد التخلص من عامل ضغط كانت تستخدمه قسد، أي حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب"، وأعرب عن اعتقاده بأن ما جرى في حلب "سيتكرر في عدة مناطق إذا لم تستجب قسد لدعوات تطبيق اتفاق مارس والاندماج في الدولة السورية"، معتبراً أن لا رغبة إقليمية ولا دولية في تكريس التقسيم في سورية.

Related News
الإمارات ترفض استخدام أراضيها لضرب إيران
alaraby ALjadeed
3 minutes ago
علاج للنقرس يقي من أمراض القلب والدماغ
aawsat
18 minutes ago