Arab
وُلد الفنان ياسين بقّوش عام 1938 في حيّ الصالحية الدمشقي، لأبٍ ليبيّ هاجر إلى سورية واستقرّ فيها، نشأ في أسرة بسيطة، وعاش طفولته في أزقة دمشق القديمة، حيث تختلط رائحة القهوة بأصوات الباعة في الأسواق، وهو ما ترك في نفسه بصمةً عميقة من الحب للفن الشعبي والحكاية البسيطة. التحق بمدرسة الأيوبية في الحي ذاته، وهناك برز منذ صغره بشغفه بالتمثيل والإلقاء، وكان زملاؤه يلاحظون موهبته الفطرية في إضحاك أصدقائه وتقليد الأصوات.
حافظ ياسين على بساطته طوال حياته، ولم يُغيّر اسمه الفني، إذ أحبّ أن يُعرف باسم "ياسينو"، وهو الاسم الذي أصبح لاحقاً رمزاً شخصياً له في ذاكرة الجمهور، اكتشف أصوله الليبية بعد سنوات من الشهرة، عندما راسلته إحدى قريباته من ليبيا، والتقيا بعد أن شاهدته على شاشة التلفزيون، وكانت تلك اللحظة بالنسبة له فرصةً إنسانية لإعادة التواصل مع جذوره الأولى.
بدأت مسيرة ياسين بقّوش الفنية في خمسينيّات القرن الماضي على خشبة المسرح العام وفي الأمسيات الثقافية، إذ شارك في تمثيل مشاهد قصيرة وإلقاء نصوص أدبية، ولم تمضِ فترة طويلة حتّى لاحظ مسؤولو الإذاعة صوته الأجش المميز، الذي يمتلك قدرة فريدة على جذب المستمعين وإيصال المشاعر بدقة، فتمّت دعوته للانضمام إلى إذاعة دمشق في أواخر الخمسينيّات.
قدّم أولى تجاربه الإذاعية من خلال مسلسل "متعب أفندي" عام 1958، وهو عمل شعبي ساعده على صقل مهاراته في الأداء الصوتي وبناء الإيقاع الدرامي، كما شارك في برامج إذاعية مخصّصة للأطفال، مثل "نادي الأطفال"، إذ كان صوته وسلوكه الطفولي البسيط يمنحان العمل دفئاً وحيوية، وجعلا المستمعين يتعرّفون إليه ويحبّون شخصيته الطريفة منذ البدايات الأولى.
لم يقتصر نشاطه الفني على المسرح والتلفزيون، بل امتدّ إلى السينما، إذ شارك في عدد من الأعمال الكوميدية والاجتماعية، مثل "غزلان"، و"الثعلب"، و"عروس من دمشق"، وغيرها
النشاط المسرحي
انضمّ ياسين إلى المسرح الحر الذي أسسه المرحوم عبد اللطيف فتحي، وهناك تلقّى تدريبه الأول واكتسب خبرة واسعة في فنون التمثيل والإلقاء والحركة على الخشبة. وفي 1960، كان من بين المؤسّسين للمسرح القومي السوري، وشارك في أعمال مسرحية مهمة، من بينها "سهرة مع أبي خليل القباني" للكاتب سعد الله ونوس، وأثبت فيها موهبته في تجسيد الشخصيات الشعبية البسيطة التي يحبها الجمهور ويتفاعل معها. وفي أواخر الستينيّات، أسس مع الفنان عمر حجو فرقة "مسرح الشوك"، وقدّم من خلالها عروضاً ساخرة ذات طابع اجتماعي، انتقدت السياسة والأوضاع المعيشية آنذاك، مثل مرايا، وبراويظ.
الدراما والسينما
دخل ياسين بقّوش عالم التلفزيون منذ أوائل ستينيّات القرن الماضي، وشارك في مسلسلات مبكرة مثل "رابعة العدوية" و"مساكين". ومع الثنائيات الكوميدية التي جمعته بدريد لحام ونهاد قلعي، وُلدت شخصية "ياسينو"، الرجل الطيب البسيط، الذي يتسم بسذاجة محببة وقلبٍ كبير.
ومن أبرز أعماله التلفزيونية "صح النوم"، و"ملح وسكر"، و"وين الغلط"، و"لكل الناس"، و"تلفزيون المرح"، و"وادي المسك"، و"عريس الهنا". وفي تسعينيّات القرن الماضي، ظهر في أعمال مثل "ياسين تورز" و"ياسين في المطبخ"، كما جسّد شخصية الكاهن دخنين في المسلسل التاريخي سيف بن ذي يزن.
لم يقتصر نشاطه الفني على المسرح والتلفزيون، بل امتدّ إلى السينما، إذ شارك في عدد من الأعمال الكوميدية والاجتماعية، مثل "غزلان"، و"الثعلب"، و"عروس من دمشق"، و"غوار جيمس بوند"، و"النصابين الخمسة"، و"صح النوم" بنسخته السينمائية، و"العندليب"، و"حارة العناتر"، و"أمطار صيفية".
أقرب الفنانين إلى قلب ياسين بقوش كان الفنان محمد الشمّاط، الملقّب بـ"أبو رياح"، إذ كانا يجتمعان باستمرار في جلسات منزلية خاصة. لكن علاقته بدريد لحام لم تكن جيّدة
تفاصيل حياتية
أكد أحمد بقّوش ابن الفنان ياسين بقوش في حديثه لـ"سورية الجديدة"، أنّ شخصية ياسين اخترعها الفنان المرحوم نهاد قلعي وكان دوره كومبارس عامل مقهى مع الفنان ناجي جبر (أبو عنتر) في مسلسل صح النوم، "لكن والدي اشتغل على هذه الشخصية وتعب عليها؛ لأنه كان قد عاشها على أرض الواقع من خلال شخصية حقيقة كانت في حي الصالحية".
وأضاف أحمد، أن والده رغم طيبته في جميع أدواره، كان في الحقيقة حازماً مع عائلته، فعندما يدخل المنزل يفرض هدوءاً تاماً، لكنه في الوقت ذاته كان أباً رحيماً ومثالياً وحنوناً، يتمتع بهيبة واحترام.
وعن حياته الخاصة، قال أحمد، إن والده تزوّج خمس مرات، كانت زوجاته من مناطق مختلفة، مصرية، ودمشقية، وحورانية، وحلبية، وجولانية، وأنجب منهنّ 11 ولداً، وهم بالترتيب: هيثم، همام، هزار، إيمان، أحمد، ياسر، يمامة، شيرين، ناديا، هادي، ونهاد. وعن علاقته والده بالوسط الفني، قال إنّ أقرب الفنانين إلى قلب والده كان الفنان محمد الشمّاط، الملقّب بـ"أبو رياح"، إذ كانا يجتمعان باستمرار في جلسات منزلية خاصة. مشيراً إلى أنّ علاقة والده بالفنان دريد لحام لم تكن جيّدة، رغم التاريخ الفني الطويل الذي جمعهما في معظم المسلسلات والأفلام، مؤكداً أن والده لم يتلقَّ أي دعم منه، وأنه لم يقف إلى جانبه خلال محنته، ولا حتى اتصل للاطمئنان عليه.
السجن ونهاية مأساوية
وقال أحمد بقّوش إنّ والده دخل السجن 15 يوماً عام 2008، إثر حادث سير مع ضابط برتبة لواء، وجرى تحويله إلى القضاء بتهمة تحقير رئيس الدولة، إذ حضرت دورية من الشرطة العسكرية إلى المنزل وأخذت والده بطريقة لا تليق به بوصفه فناناً قدم الكثير، من دون أن يقف أحد من الفنانين إلى جانبه، وأضاف أنهم وكّلوا محامياً ودفعوا مبالغ كبيرة حتى أُفرج عنه. وأكد أن والده لم يشعر يوماً بأنه ينتمي إلى جنسية غير سورية، معتبراً سورية البلد الآمن الذي علّمه الخير والمحبة، وكان يقول دائماً إنه لن يغادرها إلّا إلى الموت، وأضاف أحمد: "مات والدي فقيراً ولم يترك لنا إرثاً مادياً، لكنه ترك محبة الناس واحترامهم".
وختم أحمد حديثه، إنه في 14 فبراير/شباط عام 2013، كانت الفاجعة الكبرى عندما تلقينا خبر وفاة والدي إثر استهداف سيارته بقذيفة في حي العسالي بدمشق، في حادث مأساوي خلال الحرب السورية، وتابع: "ظلّ إرث والدي الفني حاضراً في وجدان الجمهور، وبقيت ابتسامته الصادقة رمزاً للكوميديا الشعبية السورية، ويكفي أن يتعرّف الناس على أحد أبنائه حتّى يسارعوا إلى الترحّم على روحه والدعاء له بالمغفرة".

Related News
علاج للنقرس يقي من أمراض القلب والدماغ
aawsat
14 minutes ago
روديغير وأرنولد يقتربان من العودة للمشاركة مع ريال مدريد
aawsat
14 minutes ago