مراد وهبة... الفيلسوف "الصحوي"
Arab
1 week ago
share
أبرز ما تركته لنا الصحوة الإسلامية أنه لا شيء يحمل صفته؛ لا الدين هو الدين، ولا العِلم هو العِلم، ولا العالِم ولا الفيلسوف، حتى التراث الذي ورثناه كما هو تحوّل إلى شيء آخر: تراثٌ مُتخيَّلٌ، لا علاقة له بتاريخه، بل هو من واقعنا وإليه. كانت الصحوة مشروعاً سياسياً، فُصِّل في مقاس المصالح الأميركية في الحرب الباردة، وجاءت خطاباتها لمهمّة محدَّدة، "تجنيد" بضعة آلاف من المسلمين لخوض هذه الحرب في جبهات مختلفة. ولأن كل خطابٍ يستدعي نقيضه، جاءت خطابات نقد الصحوة مساويةً لها في المقدار، ومضادّةً في الاتجاه. وهي الخطابات التي راجت (على تفاهتها) أكثر من غيرها، رغم جدّيته، وساهم في رواجها الصحويون أنفسهم، فهي العدو السهل الذي يناسبهم. فإذا سألت نفسك مثلاً: من الأكثر جدّيةً فؤاد زكريا أم فرج فودة؟ فالإجابة البديهية: زكريا بالطبع. ومع ذلك، كان تأثير فودة أضعاف تأثير زكريا وأمثاله، فقد كان زمان "الصحويين" على الجانبَين. عاش مراد وهبة هذه الحقبة، وحمل صفاتها. فإذا تجاوزنا رسالتَي الماجستير والدكتوراه، نجد أنفسنا أمام كتب شعبوية تحمل جينات كتب الصحوة وكتيّباتها، ثم ظهورات تلفزيونية لواعظ "علماني" يشبه وُعّاظ الفضائيات السلفية. فكما أن "الإسلام هو الحل" والغرب هو العدو، والعلمانية والليبرالية والماركسية حلول مستوردة جنت على أمّتنا (هكذا بتبسيط مخلّ ومن دون تدليل أو اشتباك جاد)، فإن خطابات وهبة لا تبتعد كثيراً: فـ"العلمانية هي الحل"، والأصولية هي العدو المطلق، والغرب هو المعيار. وجسر الوصول هو ابن رشد، وهو الجسر الذي وجدناه لدى الغرب نفسه؛ فقد بدأ نهضته (وفق وهبة) بكتابات ابن رشد، وعلينا أن نبدأ مثله، وأن نكمل مثله، وأن نخوض تجاربه نفسها لنصل إلى ما وصل إليه... هكذا من دون اعتبار لفروق أزمنة أو أمكنة أو تجارب، وهو التمثّل "المنهجي" لمقولة: "لن يُصلح آخر هذه الأمّة إلا بما صلح به أولها". كان مراد وهبة يرى أن كتاباته تأخذ الفلسفة إلى الشارع، وهي اللافتة نفسها التي تختبئ خلفها خطابات الصحوة التي نزلت إلى الشارع بالكتيّب وشريط الكاسيت، ثم الفضائيات. وكما عمدت الخطابات الصحوية إلى تفريغ الدين من محتواه الأخلاقي، جاءت خطابات وهبة "الفلسفية" فارغةً من المحتوى الفلسفي أو المعرفي، تحتمي بدورها بلافتاتٍ تاريخيةٍ كبرى، تماماً كما احتمت نظائرها الدينية بالإسلام وتواريخه، من دون أدنى إضافة، بل كانت (على العكس) اقتطاعاً دائماً من أرصدتنا لصالح حسابات واشنطن وأخواتها. والمدهش أن إيجابيات مشروع وهبة (كما يراها طلابه) هي نفسها الإيجابيات التي ينسبها دراويش الصحوة إلى شيوخها: الإخلاص، والحماسة، ومواجهة العدو المطلق بشجاعة وجرأة، وإزعاج الخصوم. وللتذكير: نحن نتحدّث هنا عن "فيلسوف". لا يمكن أن تقرأ كتاباً أو كتيّباً له (المفارقة أن له كتيّبات تحمل خلاصات فِكَره أيضاً، لكنّها لم تكن تُباع أمام مساجد الجمعيات الشرعية والإخوان والسلفيين) من دون أن تجد تكريساً لهذه المعادلات: بدأ الغرب مع ابن رشد، ثم كوبرنيكوس، ثم غاليليو، ومن ثم جاءت العلمانية نقيضاً للأصولية، فالعقد الاجتماعي، فالتنوير، فالليبرالية. ما مشكلتنا إذن؟ أن ابن رشد عاش في الغرب ومات عندنا. لماذا؟ لأن ابن تيمية انتصر. إذن، المشكلة في ابن تيمية؟ ليس وحده. من معه؟ سيّد قطب. وعليهما (وفق وهبة) تأسّست جماعة الإخوان المسلمين التي هي أصل الشرور في عالمنا. هكذا (في استسهال مرعب) المشكلة في ابن تيمية وسيّد قطب و"الإخوان"، والحل في ابن رشد، والمعيار في الحالتَين هو الغرب، الذي يتّخذ في حالة وهبة موقع "التراث المُتخيَّل" في خطابات الصحويين. من هنا يمكننا فهم مراد وهبة، ومن هنا تبدأ مشكلتنا معه، ومع "نجوم" جيله من الإسلاميين والعلمانيين، لا من كتاباته الساذجة عن السلام الممكن مع إسرائيل، أو تصريحاته الكوميدية عن ترامب رسول الله لإنقاذ الحضارة من المتطرّفين، أو عبد الفتّاح السيسي الذي أنقذ مصر والعالم، فهي نتائج لمقدّمات أكثر رداءة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows