Arab
تتقاطع حكايتان من الفقد والوجع، لتجمعا أم شهيد وزوجته تحت سقف من قماش لا يقي برداً ولا يحمي من الخوف، في خيمة صغيرة داخل "مخيم الصابرين" العشوائي، المفتقر للدعم الرسمي والمؤسساتي، وسط مدينة غزة. وجدت عايدة حجازي (62 عاماً)، وهي أم لخمسة أبناء وثلاث بنات، نفسها بعد سلسلة طويلة من الخسارات بلا بيت ولا سند؛ إذ استشهد ابنها رمزي في الأول من سبتمبر/ أيلول 2025، وقبل ذلك كانت قد تجرعت مرارة الفقد بوفاة إحدى بناتها عام 2022.
ومع بداية الحرب، وفي شهرها الأول، توفي زوجها متأثراً بمضاعفات أمراض مزمنة كان يعاني منها (السكري، وضغط الدم، والقلب). لم تمنحها الأيام وقتاً للحزن؛ ففي اليوم التالي لوفاته مباشرة، تعرض منزل العائلة للقصف ودُمر بالكامل بما فيه من أثاث ومقتنيات وذكريات، لينتهي فصل كامل من حياتها التي كانت مستقرة في بيتها بشارع الجلاء.
وتقول الستينية حجازي لـ"العربي الجديد"، إنها لم تفكر في النزوح إلى جنوب القطاع، بل تنقلت داخل مدينة غزة بين منازل بناتها المتزوجات بحثاً عن الأمان، لكن القصف لاحق الجميع، ولم تسلم تلك البيوت من الدمار، ما اضطرها للنزوح مرة تلو الأخرى، إلى أن استقر بها الحال في خيمة مهترئة داخل المخيم.
وتعاني حجازي من آلام مزمنة في الظهر وضعف في المناعة، ومع ذلك لا تمتلك أي مصدر دخل بعد توقف "مخصصات الشؤون الاجتماعية" التي كان يحصل عليها زوجها، والتي كانت تمثل الدخل الوحيد للأسرة، لتجد نفسها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية في ظل الغلاء الفاحش وندرة كل شيء. وتقف السيدة التي أنهكتها الفواجع على هامش الحياة، تحمل وجعها بصمت، وتقاوم ما تبقى من أيامها داخل خيمة، فيما تتكئ ذاكرتها على بيت لم يعد موجوداً، وأحبّة غيّبتهم الحرب، وحلم بسيط لا يتجاوز العيش بكرامة وأمان.
غزة: ثلاثة أجيال من الوجع في خيمة
في الخيمة ذاتها، تعيش منال حجازي (38 عاماً)، زوجة الشهيد رمزي، وأم لطفلين صغيرين: محمد (3 أعوام) وملاك (عام ونصف العام). تشارك منال حماتها الخسارة ذاتها، وتواجه معها قسوة الحياة بلا معيل، وبلا بيت يضم طفليها، داخل خيمة تضيق بأحزان ثلاثة أجيال، وتفتقر لأبسط مقومات الحياة، حيث يختلط البرد بالخوف، ويصبح تأمين الطعام والدواء تحدياً يومياً.
وتتحدث منال لـ"العربي الجديد" عن معاناة مضاعفة؛ مؤكدة أن أصعب ما يواجهها، كونها أمّاً في زمن الحرب، هو عجزها عن حماية طفولة أبنائها من قسوة الخيمة وتداعيات الفقد. وتقول بصوت مثقل بالتعب: "الحياة هنا قاسية إلى حد لا يحتمل.. الأطفال لا يفهمون معنى الحرب، لكنهم يدفعون ثمنها كل يوم بحرمانهم من أبسط الحقوق، وعلى رأسها دفء البيت وحنان الأب وسنده في سنوات عمرهم الأولى".
وتتجسد في هذه الخيمة صورة قاسية من صور المأساة في غزة؛ حيث تتشارك النساء الوجع ذاته، ويصبحن معاً خط الدفاع الأخير عمّا تبقى من حياة، داخل خيمة تحاول أن تكون وطناً مؤقتاً وملاذاً هشاً، يضمّ أماً فقدت ابنها وزوجها وبيتها، وزوجةً فقدت شريك حياتها وتكافح لأجل طفلين لم يعرفا من الدنيا سوى النزوح.

Related News
مدرب ضمك: ليس من السهولة الحصول على كل ما نريد
aawsat
17 minutes ago