Arab
لم تعد التحديات التي تواجه المجتمعات الأوروبية تقتصر على الأزمات السياسية والاقتصادية أو التحولات الديمغرافية والكوارث الطبيعية، إذ تسلل خلال السنوات الأخيرة نوع جديد من الاضطرابات إلى تفاصيل الحياة اليومية، وبات يترك أثراً اجتماعياً ونفسياً وعميقاً، كونه اضطراب لا يُقاس بحجمه وتأثيره المباشر، بل بتراكُمه، وبما يخلّفه من شعور متزايد بانعدام اليقين.
تكرر الانقطاع المفاجئ للكهرباء في ألمانيا والسويد، وتكررت أعطال شبكات الاتصالات في فنلندا، وتوقفت القطارات لساعات في فرنسا وفي المملكة المتحدة، وتعطّلت الأنظمة الرقمية في مدارس السويد ومستشفياتها، وتزامن ذلك مع اضطراب حركة الطيران في اليونان، وفي دول شمال أوروبا الإسكندنافية ودول البلطيق.
قد تبدو هذه الأحداث تقنية أو عابرة، لكنها حين تتكرر تبدأ بتشكيل تجربة اجتماعية جديدة للعيش في بلدان يفترض أن أنظمة الخدمات فيها تعمل بكفاءة، لينتشر شعور واسع بأن كل شيء قد يتعطل في أي لحظة، وهذا أمر لا يقبله الأوربيون، إذ بُنيت مجتمعاتهم الحديثة على فكرة الاستمرارية والاستدامة، فالخدمات تعمل بلا انقطاع، والأنظمة مترابطة، والدولة حاضرة لضمان الاستقرار. وخلق هذا النموذج شعوراً عميقاً بالثقة بأن الكهرباء ستعمل دائماً، وأن القطار سيصل في موعده، وأن المستشفى جاهز دائماً، وأن الاتصالات متاحة بلا انقطاع.
وقد صُممت الأنظمة الأوربية لتحقيق أعلى درجات الكفاءة، وليس لتحمّل الاضطراب المستمر، وكلما زاد الترابط بين القطاعات، زادت حساسيتها لأي خلل، فالكهرباء مرتبطة بالاتصالات، والاتصالات بالمصارف، والمصارف بالأسواق، والأسواق بحياة الناس اليومية.
لكنّ هذا الترابط يجعل المجتمعات أكثر عرضة لما يطلق عليه تأثير "الدومينو"، حين يؤدي خلل واحد إلى سلسلة ارتباكات. ومع تكرار هذه التجربة يتشكّل شعور عام بأن نمط العيش نفسه بات أقل صلابة مما كان يُعتقد.
تقول الباحثة في جامعة جنوب الدنمارك، ترينا بولسن، لـ"العربي الجديد"، إن "هذا الإيقاع بات أكثر هشاشة اليوم مما كان يُعتقد، فكل خلل، مهما كان محدوداً، يترك أثراً يتجاوز نطاقه التقني. لا يعني تأخر القطار فقط إرباك جدول العمل، بل يخلق شعوراً بفقدان السيطرة، وانقطاع الإنترنت لا يوقف خدمة واحدة، بل يعطّل العمل والتعليم والتواصل الاجتماعي في آن واحد".
من جهته يوضح الباحث في التأثير النفسي للأزمات على المجتمعات، تومي يبسن، لـ"العربي الجديد"، أن "التهديدات في أوروبا لم تعد تقتصر على النزاعات العسكرية التقليدية، بل أصبحت الحياة اليومية نفسها ساحة لتأثيرات الحروب الهجينة. تشهد مجتمعات في دول مثل الدنمارك، والسويد، وألمانيا، وفنلندا، أعطالاً متكررة في الكهرباء، وتوقف القطارات، وتعطّل شبكات الاتصالات، وتعطيل رحلات الطيران بسبب المسيرات، لتصبح هذه الأحداث جزءاً من تجربة العيش اليومية".
ويحدد يبسن أشكال الهجمات الهجينة بأنها "الطائرات المسيرة المجهولة، وتخريب خطوط الغاز مثل نوردستريم، والهجمات الإلكترونية على شركات المرافق الحيوية، وتعطيل المواقع الحكومية والمصرفية، وحملات التضليل الإعلامي التي تشمل أيضاً تضخيم تأثير الهجرة واللجوء على حياة الأوروبيين منذ عام 2015، والتي يعتبرها يمينيون متطرفون السبب الرئيس لمشكلات مجتمعاتهم وسلبياتها. وهذه العمليات لا تسبّب دائماً أضراراً جسدية، لكنها تهز الثقة بالمؤسسات، وتخلق شعوراً دائماً بعدم اليقين".
واللافت أن الخطاب الصادر من خارج القارة العجوز حول "أزمة" النموذج الأوروبي، وتحديداً من الولايات المتحدة، وما يرافقه من تحذيرات في شأن مستقبل القارة، ينعكس اجتماعياً في سجال واسع يسوده القلق وعدم اليقين. ويغذي هذا الخطاب، لدى بعض الفئات، مخاوف تتعلق بالتحوّلات الديمغرافية، ويُعيد إحياء سرديات، مثل "الاستبدال العظيم"، المرتبطة بالهجرة واللجوء.
ويُفاقم كل هذا القلق مواجهة مجتمعات أوروبية كثيرة مفارقات واضحة على صعيد الحاجة المتزايدة إلى عمالة خارجية، خاصة في قطاعات الرعاية والخدمات، بالتزامن مع شيخوخة السكان وتراجع معدلات الخصوبة، ما يعمّق الإحساس بالتناقض والارتباك حول شكل المجتمع الأوروبي في المستقبل.
ويقول يبسن: "يتمثل التهديد الحقيقي في الهشاشة الاجتماعية والنفسية الناتجة من القلق من فقدان الاستقرار، وعدم القدرة على التخطيط، وضعف الثقة في الخدمات الأساسية، وحتى احتمال الاعتماد على الذات بدلاً من الدولة". وفي الدنمارك والسويد بدأت السلطات بدعوة المواطنين إلى تخزين الغذاء والمياه والاستعداد الذاتي لفترات قد تشهد فقدان الخدمات الحيوية، ما يخلق ضغطاً نفسياً مستمراً، فمسألة التخزين تجعل المرء يشعر دائماً أن شيئاً سيحدث، وتولد ضغطاً نفسياً وتأنيب ضمير لشخص إذا لم يفعل كما يفعل الباقون.
يؤكد بيسن أن المشكلة الأساسية ليست في الأعطال نفسها، بل في أثرها النفسي التراكمي. ويقول: "حين تصبح هذه الأعطال جزءاً من التجربة اليومية، يبدأ القلق بالتسلل إلى تفاصيل بسيطة: هل الهاتف مشحون بما يكفي؟ ماذا لو انقطعت الكهرباء؟ هل الأنظمة التي نعتمد عليها محمية حقاً؟ هذا القلق لا يُعبَّر عنه دائماً بشكل صريح، لكنه يظهر في السلوك اليومي من خلال التوتر الأعلى ونفاد الصبر، والاستعداد الدائم للأسوأ. الغموض يزيد من حدّة القلق، والتفسيرات غير الواضحة أو المتأخرة تفتح الباب للتخمينات والشائعات، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتحوّل الأعطال المحدودة إلى مصدر ضغط نفسي واسع يتفاعل معه كثيرون".
وتظهر هشاشة هذا الواقع في المستشفيات والمدارس وقطاع النقل. في المستشفيات، يضاعف أي خلل رقمي الضغط على الطواقم الطبية ويُقلق المرضى وذويهم. وفي المدارس يعطل الخلل سير العملية التعليمية، ويخلق شعوراً بعدم الأمان لدى الأهالي، أما في قطاع النقل فتأخير رحلات قطارات وطائرات يضرّ بالقدرة على التخطيط ومن ثم مواكبة إيقاع العمل الذي يحتاج إليه كل شخص.
ومع تكرار التجارب السلبية تتآكل الثقة بالنظام كله. وتذكر ترينا بولسن أن "الاضطرابات لا تبقى ضمن نطاق الأخبار، بل تتسلل إلى الحياة الخاصة من خلال الارتفاع غير المتوقع في فواتير الطاقة، وتأخر وصول السلع الأساسية، وإلغاء الرحلة، أو تعطل خدمات مصرفية واستهداف سيبراني لمستشفيات وبنى تحتية مدنية مهمة. وهذه تجارب صغيرة لكن تكررها يُعيد تشكيل علاقة الفرد بالاستقرار".
ويعكس تشجيع السلطات في السويد والدنمارك على التخزين الذاتي لمياه الشرب والأغذية الأساسية والوسائل البديلة للتدفئة أو التواصل، إدراكها هشاشة البنى التحتية، ويدفع الأفراد إلى التفكير في سيناريوهات غير اعتيادية في حياتهم اليومية. وفي ألمانيا تثير أعطال متكررة في بعض المناطق، مثل انقطاع الكهرباء أو شبكات الاتصالات، نقاشات واسعة حول قدرة المؤسسات على حماية الاستقرار اليومي، خاصة في المدن الكبرى حيث يعتمد الناس بشكل كامل على الخدمات الرقمية.
وتطرح هذه الدعوات الاحترازية أسئلة حول معنى الأمان وحدود الاعتماد على الأنظمة المركزية، فالدولة التي مثّلت رمز الاستقرار الكامل لعقود تطالب مواطنيها اليوم بالاستعداد لغيابها المؤقت. ولا يرتبط ذلك بالخوف من حدث محدد، بل من فكرة أن الاستقرار لم يعد مطلقاً، وأن الهشاشة أصبحت جزءاً من الواقع المعاصر، ما يخلق اختباراً للثقة بين المجتمع والمؤسسات.
ويؤكد تومي يبسن أنّ "التحدي الحقيقي ليس فقط في إصلاح الأنظمة، بل في إعادة بناء الثقة، وفي قدرة المؤسسات على طمأنة الناس بأن الاضطراب، مهما تكرر، لا يعني انهيار نمط الحياة". وهنا يبدو أن المعركة الأساسية في مجتمعات أوروبا ليست على توفير خدمات الكهرباء أو الإنترنت، بل على تعزيز الإحساس الجماعي بأن الحياة لا تزال قابلة للتوقع، وأن الاستقرار لا يفقد معناه حتى لو اهتز.

Related News
مدرب ضمك: ليس من السهولة الحصول على كل ما نريد
aawsat
2 minutes ago
مخزونات الغاز في ألمانيا الأدنى في 5 سنوات
alaraby ALjadeed
12 minutes ago
اليمن يشدد رقابة الوقود المخصص لمحطات الكهرباء
alaraby ALjadeed
12 minutes ago