Arab
العناوين الظاهرة لحركة الاحتجاج الشعبية العريضة في إيران، والمستمّرة منذ ثلاثة أسابيع، مطلبيةٌ معيشيةٌ، سيما وأنها اندلعت مع إضرابٍ كبيرٍ في بازار طهران، على خلفية هبوط قيمة الريال، تسبّبت به قراراتٌ حكوميةٌ أحدثت ارتفاعاً في الأسعار، وسط توقّعاتٍ بغلاءٍ يوصَف بأنه سيكون فاحشاً، غير أن عناوين سياسيةً صارت مسموعةً في الأثناء. والبادي أن قطْع السلطات الإنترنت ومحاولاتها التعتيم على الجاري في البلاد لم يمنعا تواتر صور وتقارير وأنباء من هناك، تفيد بانتشارٍ كبيرٍ لهذه الاحتجاجات، وبأنها عاليةٌ حدّة العنف والصدامات والاشتباكات بين المتظاهرين وقوى الأمن، وتُنذر بمخاطر غير هيّنة، سيما مع ارتفاعٍ يوميٍّ في أعداد القتلى من المتظاهرين وعناصر الأمن، مع اتساع هذه الأحداث، وتوزّعها إلى مدنٍ وقرى وبلداتٍ صغرى، بعد المدن والمراكز الكبرى. ولئن من العسير أن تستقرّ المداولات بشأن سيناريو أكثر ترجيحاً ستنتهي إليه هذه الأوضاع، فإن من اليسير أن يخمّن واحدُنا أن أحداً لا يشتري شيئاً من البضاعة التي يشيعها المرشد خامنئي عن "زمرةٍ من المخرّبين" يفعلون ما يفعلون لإسعاد دونالد ترامب، معطوفاً هذا على نعت أمين عام مجلس الأمن القومي علي لاريجاني أطيافاً من المحتجّين بأنهم "جماعاتٌ شبه إرهابية منظّمة". ولكن من اليسير ربما أن يُحسَم أن السلطة مطالبةٌ بمغادرة البحث عن حلولٍ استرضائيةٍ وموضعية، باتجاه ما هو راديكاليٌّ وعميقٌ في بنية الحكم وخياراته العامة، بل وفي علاقاته مع العالم أيضاً، فليس سرّاً أن الشرائح الأعرض من الشباب الإيراني في غير ضفّة النظام إطلاقاً.
ومدعاة الحاجة إلى حلولٍ من السمْت المسمّى هنا أن مظاهرات السخط والغضب الجارية مختلفةٌ عن موجتي التظاهر في العامين 2022، بعد مقتل شابة غير محجّبة، و2009 بعد انتخاباتٍ رئاسيةٍ جدّدت لأحمدي نجاد. وعندما نرى شهيّة ترامب لتدخّلٍ في دعم الاحتجاجات الراهنة، بزعم حماية المتظاهرين الإيرانيين، فإننا نضعها في سياق ما بعد عدوان الصيف الماضي الإسرائيلي الذي شاركت إدارة ترامب في شطرٍ منه، وبعد خسارة إيران معقلها السوري العتيد، وبعد إضعاف حزب الله وإنهاكه. بمعنى أن من الوارد أن تقترف الولايات المتحدة، حيث رئيسُها الذي نعرف، ما هو خارج أي توقّعاتٍ وتقديرات. وبالضرورو، لا يعني الاختلاف، الواضح، بين الذي نراه على الشاشات منذ إضراب 28 ديسمبر (2025) في طهران، والذي شوهد في مظاهرات ذينك العامين، ألا تتشابه النتائج والمآلات المرتقبة، فالبِنية الصلبة للنظام في إيران، وتماسك المؤسّستين، السياسية الحاكمة والعسكرية الأمنية، من القوة بحيث يصبح التبنؤ بأن ارتجاجاً كبيراً قد يحدُث في البلاد مغامرةً كبرى، أو واحداً من أوهامٍ تقيم في أفهام رضا بهلوي (يعيش في أميركا) وفي مدارك الذين يغلّبون أمنياتهم على الحقائق الظاهرة.
يُقال هذا، مع التسليم بأن دحرجة كرة اللهب قد تمضي إلى ما يعصى على التوقّع. وبالتالي، من الأريح عدم الانشغال بما سيجري، والاستغراقٌ بدلاً منه في الجاري المشوّش، المضطرب، الملتبس في اشتباك الاقتصادي والسياسي فيه، والمُحرج لإصلاحيين حيارى في السلطة العليا، ومنهم الرئيس بزشكيان الذي يُصدر تعليماتٍ بعدم مهاجمة المحتجّين، ويطلب حواراً مع ممثلين عن التجار وأهل السوق، وهو الذي يقول، محقّاً، إن الأعداء يحاولون استغلال الأحداث (وهذا شغلٌ بديهيٌّ لأي أعداء).
تُراه مبكّراً السؤال عنّا، نحن العرب، ماذا ستكون آثار ارتدادات الأوضاع الإيرانية القلقة، في صورتِها هذه، علينا، إذا ما أحدثت تغييراتٍ في بنية السلطة، أو إذا ما مضت إلى تأثيراتٍ ترجّ النظام وتهزّه فتُضعفه، سيّما وأن واحدةً من أقوى المطالب المتجدّدة، طوْراً بعد آخر، للقسم الأكبر من الإيرانيين، أن يتخفّف بلدُهم من "مسؤولياته" إياها في غير بلدٍ في الخارج، فليس يبعث على المفاخرة لدى الناس، الذين يكتوون بغلاءٍ قائم، وبنقصان الدخول، وضمور الطبقة الوسطى، أن بلدهم يحكُم ستّ عواصم عربية (لم يعد كذلك طبعاً).
لننتظر ونرَ، إن كان غلياناً ستذهب إليه إيران، سينجُم عنه بركانٌ كبير، ستكون مفاعيلُه بلا عددٍ في الإقليم (والعالم؟)، أو إن كان واحدةً من نوبات غضبٍ تتوالى بين فتراتٍ وأخرى، تهدأ بعدها الأحوال، غير أنها، تُخبئ، بالضرورة، تحت الرماد، جمراً غير منظور، والله أعلم.

Related News
علاج للنقرس يقي من أمراض القلب والدماغ
aawsat
16 minutes ago
روديغير وأرنولد يقتربان من العودة للمشاركة مع ريال مدريد
aawsat
16 minutes ago