لعنة الهوية في زمن الطوارئ الدائمة
Arab
2 weeks ago
share
كان يا ما كان، في زمن قريب لا بعيد، فيلسوف يُدعى جورجيو أغامبين، وضع نفسه في قلب عاصفة من الجدل قبل بضع سنوات حين نشر مقالاً بعنوان "الوباء المُختَرَع". رأى فيه أن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة صحية، بقدر ما شكّلت لحظة كاشفة جرى خلالها تحويل الخوف إلى أداة للحكم، واختزال الإنسان إلى كائن يُدار وفق منطق الطوارئ. اعتبر أغامبين أن الجائحة لم تفضح هشاشة الإنسان أمام الخطر فحسب، بل كشفت أيضاً استعداد المجتمعات للتخلي عن حرياتها وحقوقها الأساسية مقابل وعدٍ بالأمان. وفي عالم اعتاد العيش في ظل أزمات متتالية وحالة طوارئ دائمة، بات الإنسان عاجزاً عن التمييز بين معناه الإنساني ووجوده البيولوجي المحض؛ أي كونه موضوعاً للسلطة والتنظيم، لا ذاتاً للحق والفعل. هذا الوضع سمّاه أغامبين "الوجود العاري". غير أن الإشكالية في طرح أغامبين لا تكمن بالضرورة في إنكار وجود الأزمات ذاتها، بل في الكيفية التي تُدار بها. فحتى لو لم تكن الأوبئة أو الكوارث "مُختلَقة" بالمعنى الحرفي، فإن تحويلها إلى حالة استثنائية دائمة يظل ممارسة سياسية بامتياز، تُستخدم لتبرير تعليق الحقوق وإعادة تنظيم الحياة العامة حول منطق الطوارئ. هنا لا يُلغى الحدث الواقعي، بل يُعاد توظيفه ضمن آليات سلطة تتجاوز لحظته الأصلية. كما أن اختزال الإنسان في "حياة بيولوجية محضة" يظل تعميماً إشكالياً. فالسؤال يبقى مفتوحاً حول ما إذا كانت السلطة قد نجحت فعلاً في تجريد الإنسان من أبعاده التي تمنحه الفعل والجدوى والانتماء، أم أن هذه الأبعاد لم تختفِ، بل أُعيد تشكيلها في صور جديدة، مثل أشكال التضامن الرقمي، وموجات التعاطف العابرة، وحملات الغضب قصيرة المدى. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار حضور "الوجود العاري" بوصفه واقعاً ضاغطاً. يرى أغامبين أن الهوية يمكن أن تتحول إلى أداة للسيطرة في سياق السيادة، تلك التي تمتلك سلطة الإكراه وتعليق الحقوق الفردية. ووفقاً لمصالح أصحاب السيادة، قد تخضع الهوية لعمليات تغيير كامنة ودقيقة، تُبدّلها جوهرياً من دون أن تُلحظ مباشرة، عبر ضخّ محتوى مكثف يؤثر في الوعي الجمعي. وتشمل هذه العمليات فيض "الترندات"، وتوالي الأحداث الكبرى، وافتعال الأزمات المتعاقبة، حيث يحظى كل حدث بصدى عالمي يستحوذ على انتباه المتلقين. وقد أطلق أغامبين على مجموع هذه الظواهر اسم "الحالة الاستثنائية". غير أن السيادة، في هذا السياق، لم تعد حكراً على الدولة بالمعنى الكلاسيكي، ولا على فاعل واحد تمكن تسميته بسهولة. لقد غدت شبكة موزعة من سلطات متداخلة: قانونية، واقتصادية، وتقنية، وإعلامية، تتقاسم إدارة الحالة الاستثنائية وتدويرها. ولم تعد تعتمد على الإكراه المباشر أو القمع الصريح، بقدر اعتمادها على الإغراق؛ إغراق الوعي بسيل متواصل من الأحداث والأزمات، بما يمنع تشكّل موقف ثابت أو ذاكرة طويلة الأمد. يرى أغامبين أن الهوية يمكن أن تتحول إلى أداة للسيطرة في سياق السيادة، تلك التي تمتلك سلطة الإكراه وتعليق الحقوق الفردية وهنا يبرز السؤال: من يمتلك القدرة على إعلان الحالة الاستثنائية، ثم رفعها أو استبدالها بحالة أخرى؟ ربما لا يكون السؤال الأهم هو "من"، بل "كيف" تعمل هذه الآلية، وكيف تنتقل السيادة من يد إلى أخرى من دون أن تفقد فعاليتها. ففي كثير من الأحيان، تستند السيطرة إلى تواطؤ يومي غير معلن، يعيد فيه الأفراد أنفسهم إنتاج الحالة الاستثنائية عبر الاستهلاك المستمر للأخبار، والترندات، والقلق المعمّم، فتغدو السيطرة علاقة دائرية بين السلطة والجمهور. في ظل هذا الوجود العاري الناتج عن حالة استثنائية مستدامة، تتآكل الهويات وتتحول إلى كتل هلامية قابلة للتشكيل وفق ثنائية "مع" و"ضد". فتُنتج هويات فرعية غالباً ما تكون مؤقتة وهشّة، تتبدل بتبدل اللحظة ومتطلباتها. وتتراكم هذه الهويات لتشكّل كينونات اجتماعية متناقضة في ذاتها، قائمة على عموميات مفرطة وخصوصيات زائفة. والأشد خطورة أن هذه الهويات تصبح موازية للواقع من دون أن تتقاطع معه، فلا تعود الهوية أفقاً للانتماء أو الفعل، بل تتحول إلى وهم مُنهِك، وإلى لعنة تُقيّد صاحبها بدل أن تُعرّفه، وتفرض قيداً إضافياً داخل شروط "الوجود العاري" ذاته.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows