Party
من معارك عام 2016 إلى مواجهات أكتوبر 2026، يعود جبل هان غربي تعز إلى الواجهة، بوصفه موقعا استراتيجيا يتصل بأمن المدينة وطرق الوصول إليها، فيما يستحضر أبناء المدينة تاريخا طويلا من الصمود في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية.
صمود أسطوري
في ليلة امتدت من مساء الأربعاء 14 أكتوبر حتى فجر الخميس 15 أكتوبر 2026، تحول جبل هان، إلى ساحة مواجهة عنيفة بين القوات المسلحة مسنودة بالمقاومة الشعبية، وبين مليشيا الحوثي الإرهابية، ساعات طويلة من القصف والهجمات المتواصلة اختبرت قدرة المدافعين على الصمود، قبل أن تعلن القوات الحكومية استعادة المواقع التي تسلل إليها المهاجمون وتأمينها.
كانت ليلة ثقيلة على المقاتلين والسكان القاطنين في محيط الجبهة الغربية، حيث دوت أصوات المدافع والهاونات والأسلحة الثقيلة التي استمرت دون توقف، فيما عاش الأهالي ساعات من القلق والترقب، وسط مخاوف من اتساع المواجهات واقتراب النيران من منازلهم.
ومع بزوغ الفجر، استعاد الصباح هدوءه النسبي، وبرزت مشاعر الارتياح بين الأهالي بعد ليلة من المواجهات العنيفة، وعلق السياسي والقيادي في حزب الإصلاح أحمد المقرمي على ما جرى بالقول: "يا لتباشير الصباح الذي جعله الله موعدا لانكسارهم أليس الصبح بقريب؟".
فيما أعلن نائب مدير التوجيه المعنوي بمحور تعز العسكري، العقيد عبدالباسط البحر، أن المواجهات استمرت أكثر من 12 ساعة متواصلة، سبقتها ساعات من الاشتباكات المتقطعة والتمهيد الناري الكثيف.
وأوضح أن القوات الحكومية تمكنت من استعادة جميع المواقع التي تسلل إليها المهاجمون في محيط جبل هان والتلال المجاورة، وتأمينها، مشيرا إلى تكبد المليشيا خسائر في الأرواح والعتاد.
وبحسب البحر، فإن صمود القوات المسلحة والمقاومة الشعبية أسهم في إحباط الهجوم ومنع المهاجمين من تثبيت وجودهم في المواقع التي وصلوا إليها.
ليلة تحت القصف
لم تكن المواجهة بالنسبة إلى سكان المناطق القريبة من جبل هان مجرد تطور عسكري بعيد عن حياتهم اليومية؛ فقد عاشوا تفاصيلها مع كل انفجار ودفقة من النيران، وسط خشية من امتداد القصف إلى المنازل والأحياء المجاورة.
ويروي أحد الشهود أن أصوات التهليل والتكبير ارتفعت مع ساعات الفجر، فيما علت الدعوات من المنازل والأحياء، تعبيرا عن الارتياح بعد انقضاء ليلة صعبة.
ويصف شاهد آخر شدة القصف بأنها من أعنف ما شاهده في حياته، مشيرا إلى الاستخدام المكثف للمدافع والهاونات والأسلحة الثقيلة، واستمرار إطلاق النار إلى درجة تعذر معها سماع الأصوات القريبة.
وقال إن الرصاص وصل إلى منزله والشارع المجاور، وإن خزانات المياه تضررت بفعل المواجهات، مضيفا أنه ظل يتوقع أن يتفتت الجبل من كثافة النيران المنصبة عليه منذ المساء.
وفي وصفه لصمود المدافعين، قال إنهم "جبال فوق الجبال"، في تعبير يلخص حجم المواجهة وقدرة المقاتلين على الثبات تحت القصف.
واستعاد المقرمي أجواء الصباح في تدوينة أخرى، قائلا: "وجاء الضحى، وأشرقت النفوس بنصر وهبه الله للذين سطّروا بأرواحهم ودمائهم هذا الضحى الوهاج، وهناك في الديار والبيوت، في الداخل والخارج، ألسنة الأتقياء والأخفياء تلهج بالدعاء".
كما استحضر بيتًا للشاعر بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وهي صورة شعرية تستحضر مشهد المعارك القديمة، حين يمتزج غبار القتال بوميض السلاح، ويغدو الليل اختبارا لقوة المقاتلين وثباتهم.
ما جرى في جبل هان لا يقتصر على ليلة من القتال؛ فالموقع جزء من جغرافيا عسكرية ظلت مرتبطة، منذ السنوات الأولى للحرب، بأمن تعز وطرق الوصول إلى المدينة.
وتنبع أهمية جبل هان من موقعه في الجبهة الغربية للمدينة، بالقرب من منطقة الضباب والطريق الذي يمثل أحد المسارات الحيوية لربط تعز بمحيطها الجنوبي الغربي، وصولا إلى مناطق محافظة لحج وعدن.
حارس المدينة
ولا تتوقف أهمية جبل هان عند حدوده الجغرافية المباشرة، بل تمتد إلى علاقته بالتلال والمرتفعات المجاورة والمناطق السكانية المحيطة، فتأمين الطريق لا يعتمد على السيطرة على نقطة واحدة فحسب، وإنما يتطلب حماية محيطها من المواقع التي يمكن أن تستخدم لاستهداف حركة المرور، ولهذا ارتبط اسم الجبل بمعارك تأمين المدخل الغربي للمدينة.
لم تبدأ أهمية جبل هان مع مواجهات أكتوبر 2026، بل برزت بوضوح خلال المعارك التي شهدتها تعز عام 2016، حين تنازعت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية ومليشيا الحوثي السيطرة على المرتفعات والمداخل المحيطة بالمدينة.
ومع اتساع المواجهات في تلك المرحلة، تحولت الطرق والتلال الغربية إلى نقاط رئيسية في المعركة، خصوصًا بسبب ارتباطها بطريق الضباب، الذي مثل منفذا مهما لحركة السكان والإمدادات.
وفي أغسطس 2016، أعلنت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية استعادة السيطرة على جبل هان ومواقع مجاورة في الجبهة الغربية، في تطور ارتبط بمحاولات فتح الطريق وتأمينه بعد سنوات من المواجهات والحصار.
ومثّلت السيطرة على الجبل آنذاك محطة مهمة في المعركة على المدخل الغربي للمدينة، إذ ارتبطت بالتحركات الرامية إلى استعادة حرية الحركة وتخفيف القيود المفروضة على السكان.
وتكشف العودة المتجددة للقتال في محيط جبل هان أن المواقع التي اكتسبت أهمية خلال سنوات الحرب الأولى لا تزال حاضرة في المشهد العسكري، وأن السيطرة عليها وتأمين محيطها يظلان عاملين مؤثرين في أمن المدينة.
مدينة عريقة في جغرافيا الصراع
قبل أن تصبح تعز إحدى أبرز جبهات الحرب، كانت مدينة ذات مكانة سياسية وعلمية وتجارية بارزة في تاريخ البلاد، ففي العصر الرسولي، الذي امتد من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي، اكتسبت تعز مكانة مهمة بوصفها مركزًا للحكم، إلى جانب زبيد، وشهدت ازدهارًا في العمارة والتعليم والحياة الدينية.
ولا تزال معالم المدينة القديمة، ومنها المدرسة الأشرفية وجامع المظفر، شاهدة على جانب من ذلك الإرث الحضاري، فيما تقف قلعة القاهرة على مرتفع يطل على المدينة، مستحضرة دور التحصينات المرتفعة في حماية مراكز الحكم ومراقبة محيطها.
وتعود أهمية موقع تعز إلى طبيعتها الجغرافية التي تربط المرتفعات الداخلية بالمناطق الجنوبية والساحلية، وهو ما منحها عبر العصور دورا في حركة التجارة والتنقل وإدارة الحكم، واليوم تتخذ الجغرافيا نفسها شكلا مختلفا في سياق الحرب؛ فالمرتفعات التي ارتبطت قديما بالتحصين والدفاع أصبحت مواقع في غاية الأهمية، بسبب إشرافها على الطرق والمداخل والمناطق السكانية.
وتضيف مواجهات 14 و15 أكتوبر 2026 فصلًا جديدًا إلى سجل هذا الموقع، لكن دلالة المعركة تتجاوز حدود المرتفع نفسه؛ فأمن تعز يرتبط بأمن مداخلها وطرقها، وبقدرة سكانها على التنقل والحصول على الغذاء والدواء والخدمات دون خوف من القصف أو إغلاق الطرق.