قضايا الميراث… شرخٌ في ذاكرة المجتمع
مجتمع إنساني
منذ 7 ساعات
مشاركة

ليست العائلة هي من تقسم الميراث، بل الميراث هو من يقسم العائلة. عبارة لا نقرأها على مواقع التواصل الاجتماعي، بل نراها واقعًا على أبواب المحاكم، وحقيقةً أحدثت خلافات اجتماعية و أسرية، أدت إلى القطيعة بين الإخوة والأقارب، وتفكك العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة. وذلك رغم وضوح الأحكام الشرعية المنظمة لتقسيم الميراث. تمثل قضايا الإرث من أبرز التحديات الاجتماعية التي تؤثر على السلم المجتمعي، وتهدد التماسك الاجتماعي ، إذ أنّ النزاعات الأسرية الممتدة تمتد آثارها إلى استقرار المجتمع المحلي. ومع تزايد هذه النزاعات يبرز دور مبادرات لجان الصلح المجتمعي وجهود الشخصيات الاجتماعية، كآلية فعّالة لتعزيز التفاهم وتقريب وجهات النظر واحتواء النزاعات بين الأطراف المتنازعة، وترميم العلاقات المفككة، وإعادة بناء الثقة بين أفراد الأسرة، بما يسهم في تعزيز قيم التسامح والسلام والتماسك داخل المجتمع.

وفي ظل هذه النزاعات تشير دراسات قانونية واجتماعية متعددة في علم الاجتماع الأسري إلى أنّ الميراث ليس قضية ولكن التنازع عليه ورفض الأحكام المشرعة وعدم الالتزام بها في توزيعه، مما جعله قضية اجتماعية. تُعزى أسباب حدوث النزاعات حول الميراث إلى الجهل بأحكامه وقلة فهمها، واستغلال بعض الورثة للتركة بصورة فردية، أو اختلافهم حول كيفية القسمة، أو إخفاء وجود بعض أصول التركة، إضافةً إلى ضعف الوازع الديني وتراكم الخلافات العائلية السابقة. كما يُعزى تفاقم هذه المشكلة إلى ضعف إدراك أهمية إدارة النزاعات داخل البيئة الأسرية عند تقسيم الميراث، مما يؤدي إلى نشوء خلافات وعداوات بين أفراد الأسرة.

كل هذه الأسباب تؤدي إلى آثار اجتماعية خطيرة منها وجود ضغائن في النفوس، وقطيعة بين الإخوة، وتفكك العلاقات الأسرية وابتعاد أفراد العائلة عن بعضهم البعض، وهذا بدوره يؤدي إلى انتشار الخلافات وانتقال النزاع إلى الأبناء والمجتمع المحلي. فالنزاع لا يؤدي إلى قطع العلاقات فقط، بل يترك جروحًا نفسية طويلة الأمد، حيث يصبح القلق والتوتر والشعور بالظلم والحرمان من الحقوق والغضب والعداء، مما يجعل الضغط النفسي يتصاعد على كبار السن خاصة.

فالخلاف على المال قد يؤدي إلى خسارة المال نفسه فلا تتوقف آثار النزاع على الورث عن الآثار النفسية والاجتماعية فحسب، فتظهر آثار اقتصادية أيضًا، فقد تتجمد الأراضي والممتلكات، و يتعطل توزيع الميراث لفترة طويلة، وما يترتب على ذلك من خسائر مالية بسبب النزاعات والقضايا، ويتدهور الوضع الاقتصادي لبعض أفراد الأسرة. أما على الجانب المجتمعي فتزداد الخلافات وتنتشر داخل المجتمع، ذلك ما يضعف التماسك الاجتماعي ويهدم ثقافة الحوار والسلام والتسامح.

ففي قرية تبعد عن المدينة حوالي 90 كيلو متر، نشب خلاف حاد بين الإخوة الخمسة بعد وفاة والدهم، وحينما طلبت أخت لهم غير الشقيقة نصيبها من الميراث، رفض الإخوة الذكور إعطائها نصيبها، حتى بعد سنوات من مطالبتها، ذهبت إلى أحد مكاتب المحاماة لتأخذ حقها بالقانون، فتصاعد التوتر الاجتماعي والنفسي بين الأطراف، وتعنت أحدهم على أنّ ليس لديهم شيء لها، وبحجة أنها ليست شقيقة وكذلك امرأة، وأنّ الأحق بالميراث هم الأبناء الذكور، أخذت القضية مجراها وأصبح الإخوة يتنازعون في زوايا المحاكم. فتصاعد الغضب حتى وصل إلى العنف الجسدي والتهديد بالقتل في حين لم تتراجع عن ما قامت به، حتى أصبح الخلاف على مسمع من أهالي القرية. على إثر ذلك تدخل شيوخ وأعيان القرية، وبمساعدة لجنة صلح ووساطة مجتمعية لتهدئة الخلاف وحل المشكلة بالقانون وبشكل ودي، وإعطاء كل ذي حق حقه، حيث لم يكن من السهل ذلك، ولكن بعد مساعي طويلة تحقق السلام وهدأت النفوس وفهم الإخوة الحق المشروع والأحكام المنظمة للميراث، وهنا كان للجان الصلح والوساطات المجتمعية دورًا كبيرًا في نبذ أطراف النزاع ، وإعادة العلاقات الأسرية وترميم النسيج الاجتماعي.

وهُنا يُمكننا القول: إنّ مبادرات لجان الصلح المجتمعي لا يقتصر دورها على حل النزاع فحسب، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة العدالة الاجتماعية، وتعزيز قيم التسامح والتفاهم من خلال تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة وإعادة بناء الثقة وحماية الأسر من التفكك والقطيعة. ويبرز أهمية دور جهود الشخصيات الاجتماعية كآلية محلية فعّالة في إدارة النزاعات بطريقة سليمة، ومن خلال تقديم حلول توافقية تراعي الأحكام القانونية والأعراف الاجتماعية. وتعد هذه التجربة المحلية نموذجًا عمليًا لإدارة النزاعات المجتمعية بطريقة سليمة.

هكذا تصبح مبادرات لجان الصلح المجتمعي وجهود الشخصيات الاجتماعية خط الدفاع الأول في الحفاظ على تماسك الأسرة من التفكك، وتحويل نزاعات الميراث من صراعات تهدد التماسك الاجتماعي إلى فرص للحوار والتفاهم وإعادة بناء العلاقات، مما يجعلها آلية مجتمعية وفعّالة في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز الاستقرار والسلم المجتمعي.

وفي نهاية المطاف ، يتضح أنّ الميراث في جوهره ليس قضية إشكالية بل منظومة قانونية واجتماعية تهدف إلى تحقيق العدالة وحفظ الحقوق، غير أنّ التنازع عليه ورفض الالتزام بأحكامه هو ما يحوله إلى مصدر للخلاف وتفكك في العلاقات. ومن هُنا تبرز أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بثقافة الحقوق و الواجبات، ودعم مبادرات لجان الصلح المجتمعي وجهود الشخصيات الاجتماعية التي تسهم في احتواء النزاعات وإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع، وفرصة لتعزيز الروابط الأسرية وترسيخ قيم التضامن والتعاون، وهذا يسهم في بناء مجتمع يسوده السلم الاجتماعي والتعايش واحترام الحقوق والحفاظ على التماسك المجتمعي.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post قضايا الميراث… شرخٌ في ذاكرة المجتمع appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية