أنا جائع.. من الأنين سراً إلى صيحة في وجه الفساد الحوثي
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
   


لم يعد الصمت ممكنًا حين تصبح الأمعاء الخاوية أعلى صوتا من الخوف. فعبارة "أنا جائع"، التي ظلت طويلا حبيسة المنازل والأحاديث المغلقة، بدأت تظهر في الفضاء العام بمناطق سيطرة مليشيا الحوثي، معبرة عن غضب اجتماعي يتسع تحت وطأة الفقر وانقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار.

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الأصوات يعكس انتقالا تدريجيا من التذمر الصامت إلى الاعتراض العلني، في بيئة حكم اعتمدت خلال السنوات الماضية على القبضة الأمنية لإخماد الاحتجاجات وتقييد حرية التعبير.

حين يصبح الرغيف حلمًا

في أحد أزقة صنعاء القديمة، يقف صالح "م"، وهو معلم حكومي يبلغ من العمر 45 عاما، أمام بسطة صغيرة لبيع الخضروات، بعدما وجد نفسه مضطرا إلى البحث عن مصدر دخل يؤمّن به وجبة لأطفاله.

يقول لـالصحوة نت إنه لم يتسلم راتبه بانتظام منذ ١٠ سنوات، وإنه باع أثاث منزله واستدان من أقاربه ومعارفه، قبل أن تُغلق في وجهه معظم أبواب الاقتراض.

ويضيف بصوت يختلط فيه القهر بالغضب: "أقسى لحظات يومي حين يحل المساء، فأتهرب من نظرات أطفالي وهم يطلبون الطعام، بينما أعجز عن توفير أبسط احتياجاتهم".

تعيش أسرته، وفق حديثه، على وجبة واحدة في بعض الأيام، مثل أسر كثيرة اضطرتها الأوضاع المعيشية إلى تقليص استهلاكها من الغذاء والاستغناء عن احتياجات أساسية.

ويصف صالح الجوع بأنه لا ينال من الجسد وحده، بل يهدم شعور الإنسان بكرامته: "عندما يبكي طفلك من الجوع، وتنظر إلى المطبخ فلا تجد حتى كسرة خبز، تشعر وكأن جدران المنزل تطبق على أنفاسك".

ومع استمرار الضغوط، يقول إنه لم يعد يخشى الحديث عن معاناته ويضيف: "نحن لا نعيش، بل نتنفس في انتظار موت بطيء. سُلب منا حتى حق الحصول على رغيف الخبز، ولم يعد لدينا الكثير لنخسره".

وتختصر قصة صالح واقع آلاف الموظفين والأسر التي فقدت مصادر دخلها، وباتت تواجه ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات في ظل تآكل القدرة الشرائية وانعدام شبكة حماية اجتماعية مستقرة.

اقتصاد موازٍ وثراء القيادات

في مقابل تدهور معيشة السكان، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى جماعة الحوثي بشأن إدارتها موارد الدولة والجبايات، وسط مظاهر ثراء لافتة لدى قيادات وشخصيات مرتبطة بها.

ويقول الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي إن الجماعة حولت إيرادات الضرائب والجمارك والزكاة والاتصالات والمشتقات النفطية إلى موارد تخدم سلطتها ومجهودها العسكري، من دون أن تنعكس في صورة رواتب منتظمة أو خدمات عامة للمواطنين.

ويضيف لـ"الصحوة نت": "نشأت طبقة جديدة من القيادات وتجار الحرب بالتوازي مع انهيار دخول المواطنين وتآكل قدرتهم الشرائية، ما أدى إلى تكوين اقتصاد موازٍ قائم على الجبايات والنفوذ، على حساب الاقتصاد الرسمي والمنظم".

ويرى الفودعي أن الفقر تحول إلى أداة ضغط على الأسر، إذ تضطر بعض العائلات إلى دفع أبنائها نحو الجبهات أو الأنشطة التابعة للجماعة مقابل راتب محدود أو مساعدات غذائية.

ويصف ذلك بأنه "ابتزاز اقتصادي وعسكري"، يستغل حاجة الأسر ويضعها أمام خيارات قاسية بين الجوع والمشاركة في الحرب.

وبحسب الفودعي، فإن تصاعد الأصوات الرافضة تحت شعار "أنا جائع" قد يكون مؤشرا على تراجع أثر الخوف، لكنه لا يتحول إلى تهديد سياسي منظم ما لم يتخذ شكل احتجاج مجتمعي واسع ومستمر.

قيود على العمل الإنساني

لا تتوقف الأزمة عند انقطاع الرواتب وتراجع الدخل، بل تمتد إلى القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.

وخلال عامي 2024 و2025، تعرض موظفون في وكالات أممية ومنظمات غير حكومية للاعتقال والاختطاف، ووجهت إليهم الجماعة اتهامات بالتجسس، ما أدى إلى تقليص بعض الأنشطة الإنسانية وتعطيل وصول المساعدات إلى فئات واسعة.

وفي أواخر عام 2025، أعلن برنامج الأغذية العالمي تعليق أنشطته في مناطق سيطرة الحوثيين، في خطوة فاقمت المخاوف من اتساع فجوة الأمن الغذائي، خصوصًا لدى الأسر التي تعتمد على المساعدات بوصفها مصدرًا أساسيًا للغذاء.

وتزامنت هذه القيود مع تدهور مؤشرات الأمن الغذائي في اليمن، حيث تشير تقديرات إنسانية إلى أن أكثر من نصف السكان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه ملايين الأطفال والنساء مخاطر سوء التغذية.

ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن تعثر برامج المساعدات، إلى جانب الفقر وانقطاع الرواتب، قد يدفع مزيدا من الأسر إلى تقليل عدد الوجبات أو اللجوء إلى الديون وعمالة الأطفال وغيرها من وسائل التكيف القاسية.

التجويع في ميزان القانون

من جانبه، يقول المحامي والناشط الحقوقي ياسر المليكي إن استخدام الغذاء والرواتب والمساعدات أداةً للضغط السياسي أو العسكري يمثل انتهاكا جسيما للقانونين اليمني والدولي.

ويضيف لـ"الصحوة نت": "اعتقدت سلطة الأمر الواقع أن إغراق المواطن في البحث عن لقمة العيش سيصرفه عن المطالبة بحقوقه، لكن استمرار الضغط قد يدفعه في النهاية إلى التعبير العلني عن غضبه".

ويوضح المليكي أن الراتب حق قانوني للموظف، وأن قانون الخدمة المدنية والتشريعات المنظمة للأجور لا تجيز حرمان الموظف منه أو تأخيره تعسفيًا، إلا وفق إجراءات قانونية محددة.

كما يشير إلى أن استغلال حاجة الأسر لتجنيد الأطفال محظور بموجب قانون الطفل اليمني والقواعد الدولية المنظمة للنزاعات المسلحة.

غير أن توصيف هذه الممارسات قانونيا بوصفها جرائم حرب، وفق المليكي، يتطلب توثيقا دقيقا يثبت استخدامها بصورة متعمدة ومنهجية ضد المدنيين، ويحدد المسؤولين عنها وسياق ارتكابها.

غضب تحت السطح

تكشف شهادة صالح، ومعها أصوات أخرى بدأت تعبّر علنا عن الجوع، حجم الاحتقان المتراكم في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد سنوات من انقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات وتراجع المساعدات الإنسانية.

لكن تحويل هذا الغضب إلى فعل جماعي يظل مرتبطا بقدرة السكان على تجاوز القيود الأمنية، وبوجود مساحة تسمح لهم بالتنظيم والتعبير بعيدا عن الاعتقالات والقمع.

وبينما يرى مراقبون في شعار "أنا جائع" مؤشرا إلى تصدع حاجز الخوف، يحذر آخرون من أن الجوع وحده لا يصنع تغييرا سياسيا ما لم يتحول إلى مطالب واضحة وحراك منظم يحظى بحماية مجتمعية.

أما صالح، فلا يشغله كثيرا شكل هذا التحول أو توقيته. فمع حلول المساء، يعود إلى منزله حاملا ما تبقى من خضروات بسطته، ويبدأ حسابا جديدا لما يستطيع أن يضعه أمام أطفاله.

يقول: "لم نعد نطلب حياة مرفهة، نريد فقط أن نأكل بكرامة، وأن يحصل الموظف على راتبه، وألا يصبح الجوع مصيرا مفروضا علينا".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية