جيل خالٍ من الكُتب - أبو بكر الوادي
حزبي
منذ 6 أيام
مشاركة

كان المثقّفُ قبل عقودٍ من الزمن يعدُّ نفسَه واعيًا بمقدارِ ما قرأ وفهم من الكتب. وكانت القراءةُ يومها سلوكًا شبه يوميٍّ إنْ لم يكن يوميًّا بالفعل. وكان الكتاب يومَها الرفيق المؤنسِ والصاحب الوفي، ولأنَّه كذلك فقد كانتِ شوارع المدن تغصُّ بمكتبات بيع الكتب، بل إن أفضل الواجهات التجارية كانت تُعطى لمحلات بيع الكتب، وفي هذا الصدد أذكر أن حيَّ الجامعة القديمة في مدينة صنعاء كان كرنفالًا مستمرًا طوال العام لبيع الكتب محيطًا بالجامعة من كل الاتجاهات، وكان تعدّد محلات بيع الكتب يفرض منافسات تجارية تنعكس نزولًا في الأسعار مما جعل الكتاب بمختلف فضاءاتِه متاحًا وفي متناول اليد.

وفي ذلكَ الزمن الجميل كان المنهج الدراسي للثانوية بصفوفِها الثلاثة يشير إلى كثير من مجالات المعرفة، وكانت هذه الإشارات تفيد الطالب في انتقاء مشترياتِه من الكتب، مما يوسّع معرفته بأساطين الثقافة وروادها، فكان المتنبي والبحتري ونجيب محفوظ والرافعي وشوقي والمازني والعقاد والسياب وغيرهم وغيرهم .. كل هؤلاء كانوا معروفين لدى طالب الثانوية.. تلقّى إشاراتٍ عنهم هناك ثمَّ عزّزها بشراء بعض من إنتاجاتهم إشباعًا للفضول المعرفي الذي كان يحكم عقلية شباب ذلك الزمن.

ثم جاءت وسائل إلهاءٍ كثيرة. نأت بالناس بعيدًا عن دائرة الكتاب، وأبعدت الكتاب عن دائرة الاهتمام اليوميّ. ابتداء بالمحطأت الفضائية ووصولًا إلى الهاتف السيار الذي جمع كل منتجات التكنولوجيا في جهاز لا يزيد حجمه عن راحةِ الكف.

ومع كل ذلك فإنه يمكن القول أنّ ذلك ليس سببا كافيًا لطلاق الكتاب والتخلي عنه، فالقراءة ما تزال ذلك المعين المعرفي النابض بالحياة، وما تزال الحاجة إليها قائمة بل وماسة.. وما الذي يضير الكتاب في أن يتحول من حامل ورقي إلى حامل إلكتروني يُعرضه بصيغ مقروءة ومسموعة مختلفة.. بل إنَّ في هذا تيسير أكبر للقراءة، وإتاحة أوسع للحصول على أيِّ كتاب من أقاصي الدنيا في ثوان معدودة، وبسعر لا يُذكر.

فأين تكمن المشكلة إذن؟؟

إن المشكلة الحقيقية تكمن في تسطيح الوعي الذي تفرضه اليوم وقائع الحياة المضطربة، التي حوّلت الكائن البشري من كائن يستمتع بالحياة إلى كائن مُطاردٍ يكافح من أجل البقاء في الحياة، وهذا الكفاح المتواصل لا يتيح له مراجعة الذات، ولا تقويم المسار، وإنما يبهته كل يوم بجديد يصنع فيها شعورًا جديد تستفزّه المضايقات المتلاحقة، وصولًا به إلى حالة من انعدام الوعي وغياب المعرفة، وفي هذه المرحلة العدميّة تأتي ثقافة التسطيح لتضع مداميكها في وعيه، صانعةً منه إنسانًا مضطربًا بين ما يعيشه في واقعه من بؤسٍ وفاقة، وبين ما يتلمّسُه في وسائل التواصل من عوالم مثالية يزيد من زهوها الصورة واللون.

إنَّ العودة إلى الكتاب في هذا المحيط الهائج مستحيلة أو شبه مستحيلة، خاصّة بعد أن تخلت –أو كادت – محاضنُ التربية: كالمسجد والمدرسة والبيت عن أدوارها في نشر الوعي، وتُرك الناشئة لأجهزة الهاتف تقودهم من أيديهم إلى عوالم مجهولة، تزيد في انفصامهم عن واقعِهم يومًا عن يوم مما ينذر بكارثة خطيرة.

ويبقى الأمل في أن يقف المخلصون من مثقفي هذه الأمة ومتخصصيها أمام هذه الإشكالية، وأن يسعوا ما وسعهم الجهد والوقت والإمكانات في دراسة أسبابها وآثارها ونتائجها وأن يعملوا على صياغة مخرج يعيد إلينا شبابنا التائه من جهة، ويعيد الكتاب من منفاه القسري من جهة ثانية

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية