إنه زمن يقبل منك أن تقول في التوافه ما تشاء ، و في الغزل ما يَعِنّ لك ، و في الحديث عن الأمور الجادة جنّب حروفك حقول الألغام، أو الاقتراب من المباني الشاهقة. و تكلم في هذا الزمن بقدر محدود عن الحقوق، و حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان في زمن التوافه يعرفه من يمتلكون القوة، هم من يسعرون قيمة الإنسان ودمه حيث يختلف ـ بكل فجورٍ وقح ـ بين مكان و مكان، و شعب و شعب.
ما بال هذه الحروف تتمرد و تكاد تقترب من الأدواء و العلل، و من الخطوط الحمر،و قد كان غرض هذه السطور السير بعيدا عن السياسة و حقول الألغام !
يا هذه الحروف، و تلك الكلمات لا تخوضي في النقد أو السياسة، أو التعرض لتفنيد الأباطيل، و أعرف أن الحروف الحرة أيضا هي أكبر من الخوض في التوافه التي تجد سوقا رائجة في منصات التواصل الإجتماعي.
فلتسترخي الأعصاب، و لتتمدد الحروف إلى أحوال الشعراء الأقدمين في البكاء على الأطلال، أو الشوق للمرابع و الديار.
ما من شاعر جاهلي تقريبا إلا و قد وقف يبكي الأطـــــلال ، يسكب دموعه على أماكن حلت بها الحبيبة فغادرتها، أو كانت فيها فارتحلت عنها ، فهذا عنترة بن شداد على فروســــــيته ، و بطولته يطلق الزفرات، و يواليها بالحسرات متذكرا أطلال ديارالحبيبة :
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
فراح يحث الدار أن تتكلم،و يحدد المكان (الجواء) مسَلّما:
يادار عبلة بالجــــــــواء تكلمي
وعِمِي صباحا دار عبلة و اسلَمي
و قد أُثِر عن النقاد قولهم: أن أول من وقف واستوقف، وبكى، و استبكى في بيت واحد، هو امرؤ القيس الكندي:
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
و على منواله جرى طرفة بن العبد:
لخولة أطـــــــــلال ببرقة ثهــــمدِ
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صَـــــحبي عليّ مطيهم
يقولون لا تهلك أســــىً و تَجلَّــــد
و يأتي الشاعر؛ النابغة الذبياني يستنطق المكان لتخبره عن حبيبته نُعم، فما اسطاعت الدار ان تكلمه طوال النهار، حيث تمازجت مشاعر المكان مع مشاعر الشاعر:
عوجوا فحيوا لنُعم دمنةَ الدار
ماذا تحيون من نؤىٍ و أحجار
وقفتُ فيها سَراة اليوم أسألها
عن آل نُعم أمونا عـبر أســفار
فاستعجمت دار نُعم ما تكلمنا
و الدار لو كلمتنا ذات أخـبار !
و غيرهم كثير ممن بكوا و استبكوا، و ذرفـــوا الدمــــوع مشفوعة بأبلغ الأبيات، و أجل الصور، و أعذب الحب و أنقاه.
لكن مع ما قاله الشعراء في الأطلال و الحبيبات، و ما لهجت به مهجهم من وجد و عشق و هيام؛ فإن قصائد الشعراء في أرض نجد كانت أكثر و أثرى، و أغزر عاطفة، و أبلغ هياما، و لا غرو أن امتد الحنين لنجد، تبعا لحنين السابقين حتى ردده شعراء الأندلس وصولا للعصر الحديث؛ حتى لكأن أرض نجد تحل محل الأطلال،دون نسيان الحبيبة،فهذا الصمّة بن عبدالله القشيري،يستوقف صحبه ليودعوا نجدا و الحبيبة:
قفا ودّعا نجدا و من حل بالحمى
و قَلَّ لنـــجد عنـــــدنا أن يُوَدّعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا
و ما أحسن المُصـطاف و المتربعا
ويزداد الشــــاعر عـبدالله بن عبيد الله بن الدمينة شــــوقا، و هياما و حنينا لنجد كلما هب الصبا، أو غنت ورقاء على فنن:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
فقد زادني مسراك وجدا على و جد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
على فنن غَضّ النــــــبات من الزند
بكيتَ كما يبكي الحزين صَـــــبَابة
و ذبت من الشوق المبرح و الصَدّ
لم يقف التغني بجمال نجد، و شميم عراره:
أقول لصاحبي و العيس تخدي
بنا بين المنـــــيفة و الضـــــمار
تمتع من شــــميم عَــرار نجـــد
فما بعد العشـــــــية من عـــــرار
لم يقف الشوق بمدارس الشوق عند نجد، بل تجاوز جمال نجد و بواعث حنينه البحار فتلقفته الأندلس، فهذا أبو جعفر احمد بن علي المعروف بابن خاتمة الأندلسي، يقول:
أحن إلى نجد إذا ذكرت نجـد
ويعتاد قلبي من تَذكرها وَجْد
و يقبل جسمي أن يهب نسيمها
عليلا له بالأثل أثل الحمى عهد
لكن قبل أن يصيبنا جمال نجد و أشواقه، و يعلق الخب و الغرام بنا كما علق بالكثيرين من قبلنا؛ نأخذ بنصيحة الشاعر الذي حذر من ذلك:
النجاء النجاء من أرض نجد
قبل أن يعـلق الفــؤاد بوَجْد
ما كدت أكمل ترداد هذا البيت؛حتى أصخت لصوت هادر كأنني أسمعه، و تسمعونه، يصرخ به في أرجائنا أبو الأحرار محمد محمود الزبيري:
ناشدتك الإحساس يا أقــــلام
أتُزلزَل الدنيا و نحــــن نيـــام
أبناء قحطـــــان عبيدا بعدما
عبدتهم الزعمـــاء و الحـكام
يا قوم هبوا للكفاح و ناضلوا
إن المنام عن الذمام حـــرام
قد آن أوان الرجال، و كفاح الأبطال؛ فالمنام عن الذمام حرام.