منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما تزال الصحافة اليمنية تُدار بقانون صدر عام 1990، في زمن لم يكن فيه الإنترنت قد وصلت بعد إلى معظم بيوت اليمنيين، ولم يكن يتخيل أحد أن الهاتف المحمول سيتحول يوما ما إلى غرفة أخبار متنقلة.
اليوم وبعد كل هذه السنوات من التحولات التقنية والسياسية والاجتماعية، لا يزال قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) هو المرجعية الأساسية التي تحكم عمل الإعلاميين في البلاد، وكأن الزمن توقف عند لحظة توقيعه.
هذه الفجوة بين واقع الإعلام وبين النص القانوني الذي يُفترض أن ينظمه ليست تفصيلا شكليا، بل أزمة حقيقية تنعكس يوميا على حياة الصحفيين اليمنيين وعلى جودة المعلومة التي تصل إلى المواطن.
والأخطر في هذا القانون ليس فقط قدمه، بل أنه ببساطة لا يرى الإعلام الرقمي ولم يكن في حسبانه أصلا ولا توجد فيه أي إشارة تُذكر إلى المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي أو البث المباشر، رغم أن هذه الوسائط باتت اليوم المصدر الأول للأخبار بالنسبة لغالبية اليمنيين.
نتيجة كل هذا أن مئات المواقع الإخبارية والصحفيين الرقميين يعملون في منطقة رمادية، بلا حماية قانونية واضحة، وبلا معايير مهنية ملزمة، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى من جهة، وأمام الاستهداف التعسفي من جهة أخرى حين تقرر جهة ما أن تلاحق صحفيا لا تحكمه نصوص واضحة أصلا.
المشكلة الأكثر إيلاما هي طبيعة النصوص العقابية في القانون الحالي، وتكمن في عبارات مثل “المساس بالوحدة الوطنية” أو “الإضرار بأمن الدولة” تُركت دون تعريف دقيق، فتحولت إلى أداة مطاطة تُستخدم لتجريم أي رأي مزعج، بدلا من أن تبقى استثناء ضيقا محكوما بضوابط صارمة.
وقد وثقت تقارير حقوقية متكررة كيف تحولت هذه الثغرات إلى مبرر لاعتقال صحفيين، ولحالات إخفاء قسري وتعذيب، وهي ممارسات لا يمكن لأي مجتمع يطمح إلى التعافي أن يتقبلها كأمر واقع.
الحل هنا ليس استبدال العقوبات الجنائية بعقوبات مدنية وإدارية في قضايا النشر، هو معيار دولي معمول به في عشرات الدول، ولا يعني التساهل مع الأخطاء المهنية، فقط أن يحاسب الصحفي كمهني وليس كمجرم.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح إعلامي دون الحديث عن استقلال الجهة التي تشرف على هذا الإصلاح، فوزارة الإعلام، بصفتها الطرف التنفيذي، لا يمكن أن تكون في الوقت نفسه الخصم والحكم في قضايا الترخيص والرقابة المهنية.
إن إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، إلى جانب دوائر قضائية متخصصة تفهم طبيعة العمل الصحفي، أصبح اليوم ضرورة لضمان إدارة قضايا النشر بمعايير مهنية بعيدا عن الحسابات السياسية.
وفي المقابل، يبقى غياب قانون حق الحصول على المعلومة عائق صامت لكنه فعال، لأنه يُبقي المؤسسات الحكومية في مأمن من المساءلة الصحفية، ويحرم المواطن من أبسط حقوقه في معرفة كيف تُدار شؤونه العامة.
ما يدعو للتفاؤل الحذر أن هذه المطالب ليست جديدة ولا مستحدثة، وقد سبق وخرجت بها دراسات حقوقية ومهنية متعددة، من بينها دراسة أصدرتها المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين “صدى” في أغسطس 2025، شخصت بدقة أوجه القصور التشريعي القائم، ودعت إلى مراجعة شاملة تشمل سد الفراغ الرقمي وتعزيز الضمانات القضائية ووقف الممارسات غير القانونية بحق الصحفيين.
اليمن اليوم يحتاج إعادة تصوره لقانون الصحافة من الأساس، بما يواكب طبيعة الإعلام الرقمي في القرن الحادي والعشرين، ويحمي الصحفي كشريك في بناء الدولة بدلا من معاملته كمشتبه به على الدوام.
الإعلام الحر ليس رفاهية ولا قضية تحتمل التأجيل حتى تستقر الأوضاع، هو ضرورة وطنية ومن أهم الأدوات الأساسية التي تحتاجها اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويكشف الحقيقة ويواجه الشائعات والتضليل، ويسهم في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
The post كيف يحكم قانون 1990 إعلام اليمن في عصر المنصات الرقمية؟ appeared first on يمن مونيتور.