أسر ضحايا الحرب والحصار في تعز تخوض معركة البقاء
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

في الثانية عشرة من عمره، لم يعد ياسين يحمل حقيبته المدرسية كل صباح، بل يجر عربة صغيرة محملة بالتين، ويتنقل بها في شوارع مدينة تعز بحثا عن مشترين. لم يختر الطفل مغادرة المدرسة، لكن وفاة والده، وضيق الحال، دفعاه مبكرا إلى سوق العمل، ليحاول تأمين وجبة متواضعة لأمه وإخوته الثلاثة.

 

وفي الوقت الذي يمضي فيه أقرانه إلى فصولهم، يبدأ ياسين يومه على الأرصفة، حاملا فوق كتفيه مسؤولية أسرة أكبر من عمره، في واحدة من الصور القاسية التي خلفتها الحرب المستمرة في تعز منذ أكثر من عقد.

 

خلف متاريس القتال، وتحت وطأة الحصار والقصف الذي تشنه ميليشيات الحوثي على المدينة، تدور معركة أخرى بصمت؛ تخوضها أسر فقدت معيليها، وأطفال وجدوا أنفسهم فجأة أمام حياة بلا أب أو مصدر دخل ثابت.

وتشمل هذه المعاناة أسر من قُتلوا في جبهات القتال دفاعا عن المدينة والجمهورية، إلى جانب أسر المدنيين الذين حصدت أرواحهم القذائف العشوائية لميليشيات الحوثي والألغام، تاركين خلفهم زوجات وأمهات وأطفالا يواجهون وحدهم أعباء الحياة.

 

عربة تين بدل الحقيبة

 

في غرفة صغيرة متهالكة بحي النور الشعبي، غربي تعز، تعيش أم ياسين، البالغة من العمر 45 عاما، مع أبنائها الأربعة؛ ولدين وابنتين. ومنذ وفاة زوجها قبل خمسة أعوام، أصبحت تحمل وحدها مسؤولية الأسرة، محاولة أن تؤدي دوري الأم والأب في آن واحد.

 

تستعيد أم ياسين لحظة تلقيها نبأ وفاة زوجها بصوت يختلط فيه الحزن بالخوف، وتقول لـ"الصحوة نت": "استشهد زوجي أثناء تصديه لهجوم للميليشيات الحوثية في الجبهة الشرقية للمدينة، منذ ذلك اليوم توقف الزمن بالنسبة لي، وتحولت حياتي إلى سلسلة من المعاناة والشقاء".

 

كان زوجها، وفق حديثها، يعمل في البناء نهارا لتأمين احتياجات الأسرة، ثم يتجه إلى الجبهة ليلا. وتضيف: "كان سندنا الوحيد. حين وصلني خبر استشهاده شعرت بأن جبالا سقطت فوق كتفي. لم أبكِ فراقه فقط، بل بكيت خوفا من المستقبل المجهول الذي ينتظر أطفالي".

 

مثل كثير من زوجات الضحايا، لم تكن أم ياسين تمتلك مهنة أو خبرة تؤهلها للحصول على عمل ثابت وبعد فترة من العجز والبحث، حصلت على آلة خياطة بسيطة من إحدى المؤسسات الخيرية، وبدأت العمل من منزلها في محاولة لتوفير جزء من احتياجات الأسرة.

 

لكن ما تجنيه من الخياطة لا يكفي لتغطية نفقات الطعام والإيجار والتعليم، ما دفع ابنها الأكبر إلى ترك المدرسة وبيع التين في شوارع المدينة.

 

تقول الأم: "عندما أرى أقران ياسين يذهبون إلى المدرسة بحقائبهم، بينما يحمل ابني عربة التين، يحترق قلبي. لم يستشهد والده ليُحرم ابنه من التعليم، بل من أجل وطن يعيش فيه أبناؤه بكرامة، لكن الواقع كان أقسى مما تخيلنا".

 

ولا تختلف تجربة أم ياسين كثيرا عن تجارب نساء أخريات فقدن أزواجهن خلال الحرب. فقد اتجهت بعضهن إلى الخياطة أو صناعة البخور وإعداد المعجنات وبيعها، لكن هذه المشاريع الصغيرة غالبا ما تتعثر بسبب غياب رأس المال، وارتفاع أسعار المواد الخام، ومحدودية برامج الدعم والتمكين المخصصة لهذه الفئة.

 

فصل آخر من المأساة

 

في منطقة عصيفرة، شمالي تعز، تعيش تهاني أحمد حسن فصلا آخر من المأساة. فقدت زوجها إثر سقوط قذيفة عشوائية أطلقتها ميليشيات الحوثي، وأصابته لحظة خروجه من منزله، تاركا خلفه تسعة أطفال؛ أربعة أولاد وخمس بنات.

 

تقول تهاني لـ"الصحوة نت": "حين كان زوجي على قيد الحياة، كان وضعنا مستقرا إلى حد كبير. كان يعمل دون كلل ليوفر قوت يومنا ويتحمل مسؤولية الأسرة كاملة، أما بعد وفاته فتبدلت حياتنا وأصبحنا نواجه ظروفا شديدة القسوة".

 

لم تستطع الأم دفع إيجار منزل يتسع لأطفالها، فاضطرت إلى الانتقال إلى مبنى دمرت الحرب أجزاء واسعة منه، واتخذت من غرفة وحيدة نجت من الخراب مأوى لأسرتها.

 

وفي ظل غياب مصدر دخل منتظم، خرج ابنها الأكبر إلى شوارع المدينة لبيع الخبز، محاولا مساعدة والدته في توفير الاحتياجات الأساسية لإخوته.

 

وتعتمد الأسرة على راتب محدود وغير منتظم، سرعان ما يذهب عند صرفه لسداد جزء من الديون المتراكمة، بينما تبقى احتياجات الطعام والعلاج والتعليم والإيجار أكبر من قدرتها على الاحتمال.

 

مستحقات لا تكفي للحياة

 

لا تمثل أسرتا أم ياسين وتهاني حالتين منفردتين، بل تختصران واقع أسر كثيرة في تعز فقدت معيليها خلال سنوات الحرب، وأصبحت تعيش بين الفقر والديون وانتظار مساعدات لا تصل بانتظام.

 

وتفاقم أزمة المستحقات المالية معاناة هذه الأسر، إذ تشكو عائلات الضحايا من تأخر صرف الرواتب لأشهر، فضلا عن تراجع قيمتها الشرائية، بحيث لم تعد تغطي الاحتياجات الأساسية من الغذاء والإيجار والماء والكهرباء والعلاج.

 

ويقول عضو مجلس أمناء مؤسسة "رعاية أسر الشهداء والجرحى في تعز"، الدكتور منصور السامعي، إن الحرب أوجدت واقعا اجتماعيا بالغ الصعوبة، بعد أن فقدت أسر كثيرة معيليها، وأصبحت تواجه تحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

 

ويضيف في حديثه لـ"الصحوة نت" أن احتياجات هذه الأسر لم تعد تقتصر على المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة، بل تتطلب برامج مستدامة تساعدها على بناء مصادر دخل مستقلة، وتضمن للأطفال حقهم في التعليم والرعاية.

 

وبحسب السامعي، انتقلت المؤسسة من تقديم المساعدات الإغاثية المباشرة إلى تنفيذ برامج للرعاية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والتعليم، وتمكنت من كفالة أكثر من 800 أسرة، رغم التحديات المالية وتزايد أعداد المحتاجين.

 

وتتحدث تقديرات وتقارير غير رسمية عن أكثر من عشرة آلاف أسرة فقدت معيلها في تعز منذ اندلاع الحرب عام 2015، إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى، الذين لا يزال كثير منهم وأسرهم بحاجة إلى العلاج والرعاية والتأهيل.

 

أطفال يحملون المأساة

 

يبقى الأطفال الطرف الأكثر تضررا من هذا الواقع. ففقدان الأب لا يعني بالنسبة إليهم خسارة عاطفية فقط، بل قد يقود أيضا إلى الفقر والتسرب من التعليم والعمل المبكر.

 

وتدفع الأوضاع المعيشية الصعبة كثيرا من أبناء الأسر المتضررة إلى ترك مقاعد الدراسة، نتيجة عجز أسرهم عن دفع الرسوم وتوفير الزي والكتب والمستلزمات المدرسية. ويجد بعضهم أنفسهم في أعمال شاقة أو غير آمنة، مثل البيع في الشوارع أو العمل في الورش والأسواق، بهدف مساعدة أسرهم.

 

وإلى جانب الحرمان من التعليم، يواجه هؤلاء الأطفال آثارا نفسية عميقة ناجمة عن الفقد ومشاهد الحرب، في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وانهيار جانب كبير من منظومة الرعاية الصحية.

 

ويحذر السامعي من أن استمرار إهمال هذه الفئة قد يخلّف جيلا مثقلا بالفقر والصدمات النفسية والحرمان من التعليم، داعيا الجهات الحكومية والسلطات المحلية والمنظمات الدولية والقطاع الخاص إلى توحيد الجهود، ودعم برامج مستدامة لتمكين أسر الضحايا ورعاية أبنائهم.

 

وبينما تنتظر تلك الأسر تدخلا يعيد إليها قدرا من الأمان، يواصل ياسين دفع عربته في شوارع تعز. طفل يحمل التين بدل الكتب، ويحاول في كل صباح أن يسد بعض الفراغ الذي تركه والده، فيما تبقى حقيبته المدرسية وحلمه بالعودة إلى الفصل شاهدين على ثمن حرب لم يخترها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية