أحمد الزرقة*
تكشف المفاوضات المباشرة التي أجرتها الصين مع مليشيا الحوثي لتأمين مرور ناقلاتها في باب المندب قاعدة قديمة في العلاقات الدولية: العالم يهتم بمصالحه أولاً، ويتكيف مع موازين القوة القائمة لحمايتها، بصرف النظر عن الجهة التي تفرض تلك الموازين.
لم تنتظر بكين استعادة الدولة اليمنية سيادتها على سواحلها، أو قيام نظام دولي يحمي حرية الملاحة. تفاوضت مباشرة مع الجماعة المسلحة، وحصلت، بحسب رويترز، على ضمانات منفردة لكل ناقلة، مع إبلاغ إيران بهذه الترتيبات. وهكذا أصبح المرور في ممر دولي يقع بمحاذاة اليمن خاضعاً لتفاوض بين دولة كبرى ومليشيا والقوة الإقليمية الداعمة لها، في غياب الدولة اليمنية صاحبة السيادة.
هذه خلاصة أكثر من عقد أعقب الانقلاب الحوثي. تعامل العالم مع اليمن باعتباره ملفاً أمنياً تُدار مخاطره عبر حماية خطوط الملاحة، واحتواء هجمات الجماعات المسلحة، وتقديم المساعدات بما يمنع الانهيار الكامل، إلى جانب بناء تفاهمات مع القوى القادرة على التأثير في مسار الأحداث. أما استعادة الدولة وبناء مؤسسات قادرة على احتكار القوة وإدارة موارد البلاد وموانئها وسواحلها، فظلت بنداً مؤجلاً.
في الحسابات قصيرة المدى، تبدو كلفة احتواء الفوضى أقل من كلفة دعم قيام دولة قوية. فالدولة القادرة ستدير مصالحها، وتفاوض على موقعها، وتضبط علاقة الآخرين بأراضيها وموانئها وجزرها. وهذا يضيّق المساحة التي تتحرك فيها القوى الإقليمية والدولية، ويمنعها من بناء شبكات نفوذ ومصالح مستقلة داخل اليمن.
لهذا لا يزعج العالم ضعف اليمن ما دامت تداعياته قابلة للإدارة. وحين قامت مليشيا الحوثي بتهديد الملاحة الدولية اتجه بعض الفاعلين إلى التفاوض معها وتأمين سفنهم، ثم واصلوا المرور من جوار الأزمة.
العالم فهم جيداً ما صنعه الانقلاب الحوثي، ثم تعلم كيف يتعامل مع نتائجه من دون استعادة اليمن.
*صحفي وكاتب يمني
The post العالم لا ينتظر اليمنيين appeared first on يمن مونيتور.