هل ستظل كلماتنا حية إذا توقفنا عن نطقها؟
مجتمع إنساني
منذ 5 ساعات
مشاركة

اللي ما يعرف الدخون حرق ثيابه“،”واللي ما يعرف الصقر يشويه” مثالان نسمعهما يترددان في بيوت المكلا ويحملان معاني مختلفة، وهنا يتضح التحذير من إهمال لهجتنا وموروثنا الثقافي، فقد نفقدهما كما يُفقد الشيء الثمين بالجهل، وهذا التحذير الذي تحمله تلك الأمثال لم يعد مجرد حكمة متوارثة، بل أصبح واقعًا نلمسه في حياتنا اليومية. ففي السنوات الأخيرة تغير حضور اللهجة في حياة جيل نشأ وسط تحولات متسارعة، فواجه المجتمع المكلاوي إشكالية متنامية تتمثل في تراجع ارتباط الشباب بالموروث اللغوي، وذلك بعد أن اختفت بعض الكلمات وتأثرت المفردات بالتداخل مع اللهجات الحضرمية المختلفة واللغات المحلية (كالمهرية)، بالإضافة إلى الهجرة والتوافد من البلدان المجاورة¹ ودخول الكلمات الإنجليزية في الحياة اليومية، قد يبدو هذا طبيعيًا في سياق التطور، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يحدث عندما تضعف الصلة بين الجيل الجديد ولهجته الأصلية؟.

في هذا المقال أحاول أن أناقش هذه المسألة بهدوء وطرحها في إطار فكرة بسيطة: الحفاظ على اللهجة ليس تشبثًا بالماضي، بل حفاظ على جزء من الهوية والذاكرة المشتركة التي تربط المجتمع مع بعضه. بالإضافة إلى ضرورة إعادة ربط الشباب بالتراث وإشراكهم في حمايته. وليس الحديث عن قيمة اللهجة مسألة عاطفية فقد أظهرت دراسة حديثة² أنّ كثيراً من مفردات اللهجة المكلاوية ما زالت تحمل جذورًا تعود إلى النقوش العربية الجنوبية القديمة، ما يعكس عمقها التاريخي واستمرارها عبر القرون، هذا يعني أنّ ما ننطقه في حياتنا اليومية ليس كلمات عابرة، بل امتداد لذاكرة جماعية تشكلت عبر أزمنة طويلة غير أنّ هذه الاستمرارية تقابل اليوم بضعف في الاستخدام لدى بعض فئات الشباب فالكثير منهم بات يجد صعوبة في فهم بعض الكلمات والبعض يختار الكلمات الأجنبية بدلاً عنها، فيبتعدون تدريجيًا عن لهجتهم، وهذا التراجع لا يخص اللهجة فحسب بل يطال شبكة علاقاتنا والمعاني التي تربط الناس ببعضهم، لأن اختفاء الكلمات يعني انطفاء جزء من الحكايات والتجارب التي صنعت هويتنا.

كما أنّ اللهجة هي الطريقة التي ينادي بها الابن أمه ويمازح بها الأب أبناءه وتُحكى بها القصص في ليالي العائلة، وعندما يتراجع حضورها خصوصًا في الفنون والأعمال الدرامية المحلية التي لا تظهر إلاّ في موسم رمضان، لا نخسر تنوعًا لغويًا فحسب بل نخسر صوتًا يشبهنا وصورة تعبر عنا كما نحن. كم من مشهد درامي يفقد صدقه حين تستبدل مفرداته الأصلية بكلمات دخيلة لا تحمل روح المكان أو ألفاظ سيئة يتم نشرها بغرض المزاح، وكم حكاية تبدو أقل دفئًا حين تروى بلسان لا يشبه لسان أهلها؟.

وتشير دراسة صادرة في جامعة صنعاء³ أنّ اللهجة الحضرمية بمختلف مناطقها تتميز بخصائص صوتية وصرفية ونحوية فريدة، تعكس تاريخ المجتمع وثقافته غير أنّ هذه الخصائص تظل مهددة إذا بقيت خارج التوثيق والاستخدام اليومي. الواقع يقول إنّ الكلمة التي لا تستعمل تبهت ثم تختفي ومع اختفائها يختفي جزء من الإحساس المشترك الذي يجمع الناس، لذلك فإنّ ما نفقده اليوم هو عبارة عن تفاصيل صغيرة صنعت ذاكرتنا، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية حقيقية تبدأ من بيوتنا وتمتد إلى كل مساحة يسمع فيها صوتنا كما هو بلا استبدال ولا تردد.

كلمات تختفي: التحديات التي تواجه اللهجة المكلاوية

لوحظ خلال السنوات الأخيرة إحلال كلمات جديدة محل الكلمات القديمة نتيجة تدفق عدد من الوافدين من مناطق يمنية أخرى ومن دول مجاورة، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام واللهجات الخليجية المنتشرة عبر القنوات والمنصات الرقمية، ويُعد الشباب الفئة الأكثر تأثرًا، حيث أشاروا إلى صعوبة التواصل بالكلمات القديمة، ما أدى إلى اندثار العديد من المفردات التراثية، مثل: المحار” (خزانة الملابس الخشبية التقليدية)، “المقلد” (وعاء فخاري لحفظ الماء)، “القليد” أو “الهندراب” (قفل الباب الحديدي القديم) وغيرها الكثير.

وتعد التغييرات التي طرأت على اللهجة المكلاوية “تهديدًا” لأنها لا تتوقف عند حدود تبدل بعض المفردات، بل تمتد إلى إضعاف حضورها في الاستعمال اليومي، فكلما تراجعت في الحديث الطبيعي، فقدت قدرتها على الانتقال بسلاسة بين الأجيال، وأصبحت أقل تداولًا “ومع الوقت تتحول من لغة حية تستخدم بعفوية إلى مادة تذكر في الدراسات أو تستعاد في مناسبات محدودة وقد أشار الدكتور عبد الله بابعير⁴ إلى أنّ كثيرًا من مفردات اللهجة المكلاوية وظواهرها الصوتية تحمل امتدادًا تاريخيًا عميقًا، وأنّ التحولات التي شهدتها ارتبطت بعوامل اجتماعية وثقافية متعاقبة. وهذا يؤكد أنّ الحفاظ عليها لا يعني رفض التغيير، بل ضمان بقائها جزءًا فاعلاً من الواقع، عبر توثيقها وتشجيع حضورها في الفنون والإعلام المحلي.

إنّ مما يشجع على الاهتمام بالمفردات التراثية أنّها تلعب دورًا في بناء الروابط بين الأجيال وتعزيز الانتماء الثقافي، فعندما يستخدم شباب المكلا كلمات من لهجتنا المكلاوية مع آبائهم وأجدادهم فإنّ ذلك يفتح باب الحوار ويُستعاد التقدير للخبرة السابقة، فاستخدام كلمات مثل: “المرهة” مكان طحن الدجر والبر، “اليحلة” وعاء صغير للشرب، “الهرموز” السكين “السحسوح/ السحيحة” دكه في المطبخ، تعمل على تقديم صور حية لواقع البيوت القديمة كما تُعيد الألعاب والاحتفالات التقليدية، مثل “الشامية” و”المكبارة”، الشباب إلى جو التراث فعندما تقال هذه الكلمات في جو عائلي يبتسم كبار السن معبرين عن سعادتهم لسماعهم لهجتهم حية ويشعر الشباب بأنهم جزء من سلسلة لا تنتهي عندهم بل إلى أجيال وأجيال وهنا يتحول الانتماء من مفهوم نظري إلى تجربة يومية تعاش.

كما أشرت مسبقًا بأنّ الموروث اللغوي يجب أن تتعاقبه الأجيال فهو ينتقل بسرعة أكبر عبر الأسرة قبل أي جهة أخرى، وتُجسّد فاطمة عوض (75 عامًا)، المعروفة في حضرموت بـ”الحبابة” أي الجدة، هذا الدور حين تستخدم المفردات القديمة مع أحفادها وتشرح معانيها وسياقاتها⁵ في الحديث اليومي. تقول: “اللهجة هي هويتنا، ونحن نحافظ عليها لنضمن أنّ يعرف أولادنا تاريخهم وثقافتهم، نعرف كل كلمة بمعناها وكل كلمة تحكي قصة”، وهذا النموذج يؤكد أنّ نقل الموروث ليس بالضرورة يكون عبر مؤسسات كبرى بل قد يكون خلال شخص يحبه الطفل ويثق فيه حتى يشيب، تتحول اللهجة إلى جزء من ذاكرته، لا إلى مادة غريبة أو قديمة وهكذا يصبح نقله فعلاً عملياً يومياً.

تختلف الكلمات وطريقة النطق بها ما يُعرف بـ”اللكنة” بين مناطق حضرموت مثل المكلا والغيل والشحر، فأكلة “العلس” في المكلا، تُقال علس والبعض يقولها “صلغلغ” كما تنطق في الغيل، وكلمة “مكاني” تقال للمكان في المكلا، في حين يقول أهل الشحر بقعتي، أما اللبان بالشحر فاسمه علك، وبالمكلا يسمى لبان، هذا الاختلاف مرتبط بالبيئة وطريقة عيش الناس في كل منطقة، لذلك جاءت المفردات مختلفة لكنها تعبّر عن سياقات اجتماعية متقاربة.

إنّ هذا التعدد داخل حضرموت يبيّن أنّ اختلاف الألفاظ لا يتعارض مع وحدة الانتماء، بل يعكس تنوع التجربة المعيشية داخل الإطار الثقافي نفسه، واليمن الذي يضم أكثر من 300 لهجة معظمها مهدد بالاندثار⁶ نتيجة الإهمال، يقدّم صورة أوسع لهذا الواقع، بل إنّ التنوع الذي نلاحظه على مستوى الوطن يمكن أن نجده أحيانًا داخل مدينة واحدة، وربما في حيّ من أحياء المكلا نفسها وإذا كان هذا التعدد حاضرًا حتى في هذا النطاق القريب، فإنّ تجاهله يعني إغفال جزء من البنية الاجتماعية التي تشكّل المجتمع، لذلك يصبح الحفاظ على اللهجة واستخدامها في البيوت والشوارع ممارسة واعية تصون هذا التنوع وتمنع تآكله تدريجيًا.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

الهامش:

¹لهجة حضرموت في كتابات فان دن بيرخ وكارلو دي لاندبرج للدكتور مسعود عمشوش.

¹. Alfadly, H.O., «Cognate Words in Mehri and Hadhrami Arabic»، جامعة حضرموت، 2021. PDF

² محمد عبد الله بن هاوي باوزير، دراسة حول بقايا ألفاظ في اللهجة المكلاوية، 2024.

² بقايا ألفاظ من لغة النقوش العربية الجنوبية في اللهجة الحضرمية العامية، 2014. PDF

³ جامعة صنعاء،حول اللهجة الحضرمية المكلاوية، فإن هذه اللهجة تتميز بخصائص صوتية وصرفية ونحوية فريدة 2024، ص. 750–769) ومعرضة للاندثار.

³جامعة صنعاء، الدراسات المنشورة حول اللهجة الحضرمية، 2024، ص. 750–769.

³جامعة صنعاء، «اللهجة الحضرمية في اليمن، دراسة لغوية»، مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، 2014. PDF

⁴د.عبد الله بابعير، انحراف اللهجات العامية الحديثة عن العربية الفصحى: مظاهر من لهجة مدينة المكلا، 2012 – يوتيوب.

⁵ مقابلة شخصية مع فاطمة عوض، المكلا.

⁶ تقرير توثيقي لمنظمة “سواء لمناهضة التمييز”، 2024، حول اللهجات اليمنية وخطر اندثارها.

The post هل ستظل كلماتنا حية إذا توقفنا عن نطقها؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية