قبل أيام، كشفت وكالة رويترز، نقلا عن مصادر مطلعة، أن إيران طلبت من ميليشيات الحوثي الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب إذا تعرضت منشآتها الاقتصادية أو بنيتها التحتية للطاقة لهجوم أمريكي. ولم تمضِ سوى أيام حتى أعلن الحوثيون، الاثنين، فرض ما أسموه حظرا على الملاحة البحرية السعودية، في ترجمة مباشرة لذلك الطلب، وجاءت بالتزامن مع استئناف الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد أهداف إيرانية عقب انهيار مذكرة التفاهم بين الجانبين.
ولا يمكن النظر إلى هذا التطور باعتباره مجرد تصعيد عسكري جديد في البحر الأحمر، بل يعكس رغبة إيرانية في نقل مركز الضغط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، بعد أن تراجعت فعالية ورقة مضيق هرمز التي طالما استخدمتها طهران كأحد أهم أدوات الردع والضغط في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ومع توسع السعودية في الاعتماد على خطوط الأنابيب وموانئها على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء ينبع، لتصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي بعيدا عن مضيق هرمز، أصبح باب المندب يمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذا المسار، وأحد أهم المفاتيح التي تضمن استمرار تدفق النفط السعودي إلى الأسواق العالمية.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الحوثيين للملاحة البحرية السعودية يتجاوز كونه تهديدا عسكريا محدودا، ليعكس محاولة لضرب البديل الاستراتيجي الذي بنت عليه الرياض جزءا مهما من أمنها الطاقوي، فبعد أن فقدت إيران جانبا من قدرتها على التأثير في صادرات النفط الخليجية عبر هرمز، تسعى اليوم إلى إعادة إنتاج معادلة الضغط نفسها من البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، عبر تهديد الملاحة في باب المندب، ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، وتوجيه رسالة مفادها أن أي استهداف لإيران لن يبقى داخل حدودها، بل سيمتد إلى أحد أهم الشرايين البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
باب المندب... الورقة البديلة
ولذلك، فإن اختزال الخطوة الحوثية في إطار رد فعل عسكري أو تصعيد مرتبط بتطورات اللحظة، يغفل البعد السياسي الأوسع الذي تتحرك ضمنه طهران، فما يجري لا يتعلق باليمن وحده، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة توزيع أوراق الصراع في المنطقة، بعد أن بدأت البيئة الاستراتيجية التي اعتمدت عليها إيران طوال سنوات تشهد تغيرات فرضتها الحرب الأخيرة.
وتدرك إيران أن قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط لم تعد تمتلك الفاعلية ذاتها التي كانت تتمتع بها في السابق، ليس لأن المضيق فقد أهميته، وإنما لأن خصومها نجحوا تدريجيا في بناء بدائل تقلل من الاعتماد عليه، وفي مقدمتهم السعودية التي استثمرت مليارات الدولارات في تطوير مسارات تصدير لا تمر عبر الخليج العربي.
ويأتي في مقدمة هذه البدائل خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط السعودي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومنه تنطلق الناقلات عبر باب المندب أو قناة السويس والأسواق الأوروبية والعالمية، متجاوزة مضيق هرمز بالكامل.
وعلى هذا الأساس، فإن استهداف باب المندب يمثل استهدافا مباشرا للبديل الذي سعت السعودية إلى بنائه طوال السنوات الماضية، ذلك أن إيران التي ترى أن واشنطن نجحت في الحد من تأثير ورقة هرمز عبر حماية الملاحة وتشجيع مسارات التصدير البديلة، تحاول اليوم القول إن أي بديل عن هرمز سيظل معرضا للتهديد، وإن خطوط الطاقة التي أعادت السعودية رسمها يمكن الوصول إليها أيضا.
ومن هنا يتحول باب المندب إلى جزء من معادلة الردع الإيرانية الجديدة، بينما يصبح الحوثيون الذراع التنفيذية لهذه الاستراتيجية بحكم سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.
ولهذا يمكن فهم سبب اقتصار الإعلان الحوثي، في مرحلته الأولى، على الملاحة البحرية السعودية، فاختيار السعودية لم يكن مصادفة، بل لأنها تمثل الدولة الخليجية التي قطعت أكبر شوط في بناء بدائل استراتيجية لتجاوز مضيق هرمز، وبالتالي فإن استهداف صادراتها عبر البحر الأحمر يحمل رسالة واضحة مفادها أن التحول إلى هذا المسار لن يوفر الحماية الكاملة، وأن طهران قادرة، عبر حلفائها، على ملاحقة خطوط الطاقة حتى خارج الخليج العربي.
معاناة اليمنيين وقودٌ للمشروع الإيراني
وفي مقابل هذا الانخراط المتزايد في تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية، يواصل الحوثيون تسويق تحركاتهم العسكرية تحت عناوين الدفاع عن حقوق الشعب اليمني، غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع مختلف تماما داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وتشير الوقائع إلى أن الحوثيين سخروا موارد الدولة ومؤسساتها لخدمة المجهود العسكري على حساب حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون واحدة من أقسى الأزمات المعيشية في تاريخ البلاد.
ومنذ سنوات، يعيش مئات الآلاف من موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين بلا مرتبات، في حين توسع الحوثيون في بناء اقتصاد موازٍ قائم على الجبايات والإتاوات والرسوم المفروضة على التجار والقطاع الخاص، حتى أصبحت الأسواق والمؤسسات الاقتصادية المصدر الرئيس لتمويل أنشطتهم العسكرية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه السياسة إلى عبء ثقيل على النشاط التجاري، وأدت إلى إغلاق عدد من المنشآت، وهروب رؤوس الأموال، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفي هذا السياق، استغل الحوثيون الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022، من خلال نهب موارد موانئ الحديدة، ورغم ذلك، لم تنعكس تلك الإيرادات على حياة المواطنين، ولم تُترجم إلى صرف مرتبات الموظفين أو تحسين الخدمات الأساسية أو التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية، بل بقي ملف الرواتب معلقًا، وتحول إلى إحدى أهم أوراق المساومة السياسية التي تستخدمها المليشيات الحوثية في مفاوضاتها مع الحكومة الشرعية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
ومرة أخرى يختار الحوثيون الانخراط في حرب إقليمية بحسابات الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وفي ضوء ذلك، فإن إعلانهم حظر الملاحة البحرية السعودية لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتمثل في إعادة توزيع أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، فكلما ضاقت الخيارات أمام طهران في الخليج، اتجهت إلى توسيع مساحة الاشتباك في البحر الأحمر، مستفيدة من سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، ومن الموقع الجغرافي الذي يجعل باب المندب أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم.
وقد يتحوّل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود اليمن، وتضع أمن الطاقة والتجارة العالمية أمام تحديات متزايدة، في المقابل يدفع اليمنيون ثمن مغامرات الحوثيين التي لا تنتهي.