اجعلوا البساطة طريق الفرح المستدام … لخطوبة تحتوي دفء الماضي ومظاهر الحاضر
مجتمع إنساني
منذ 7 ساعات
مشاركة

جميعنا يعلم أن الفرحة والبهجة التي كانت تحدث في حفلات الخطوبة بمدينة المكلا تكمن في اللمة والبساطة التي كان يعيشها الأفراد بالأمس، حيث تتسم هذه الحفلة بوجود مجموعة من الأشخاص من أهل العريس والعروسة يجمعهم فنجان شاي مخلوط بابتسامة وارتياح وتوطيد للعلاقات بين الأسرتين، بعيدًا عن المظاهر المبالغ فيها أو الأعباء المادية الثقيلة، غير أنّ هذا الأمر أصبح يشهد تغيرًا ملحوظًا خلال هذه السنوات الأخيرة، ونتيجة للتطور التقني الذي يحدث وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت الخطوبة من لقاء عائلي محدود الى مناسبة واسعة تخطط  تفاصيلها بعناية، وتوثق لحظاتها بعدسات الهواتف الذكية والكاميرات ذات الجودة العالية، مما أدى إلى تشكيل صورة اجتماعية جديدة تربط قيمة المناسبة بحجم الإنفاق والمظهر الخارجي، ليتحول الى ظاهرةٍ اجتماعيةٍ فرضت واقعًا جديدًا على الأسر والشباب، ومن هنا نجد أنّ هذا التحول يمثل ابتعادًا عن القيم الأصيلة التي تُعرفُ بها مدينةُ المكلا، وعليه لابد من الدعوة الكبرى للرجوع إلى البساطة والاعتدال واستعادة روح الماضي ودفئه مع التوازن  لمتطلبات الحاضر.

في الماضي القريب كانت حفلات الخطوبة بمدينة المكلا تُقام غالبًا داخل المنازل أو في نطاق عائلي ضيق يقتصر على الأقارب والجيران المقربين،  حيث كان بمثابة ترابط اجتماعي لدخول حياة جديدة  للعائلتين، فلم تكن هناك حاجه لتنسيقات معقدة تحتوي على بعض الديكورات وتنسيق الورود والتصوير الفوتوغرافي وتقديم مختلف أنواع المأكولات والمشروبات، بل كانت البساطة هي السمة الغالبة حيث يُنظر الى الخطوبة بوصفها خطوة تمهيدية للزواج لا تتطلب أكثر من إعلان القبول وتبادل التهاني في أجواء يسودها الود والاحترام.

كما ارتبطت هذه البساطة بقيم اجتماعية راسخة من أبرزها مراعاة الظروف المادية للأسر وتجنب إحراج الشباب المقبلين على الزواج، إضافة الى التركيز على المعنى الاجتماعي للخطوبة بما يتفق مع طبيعة المجتمع الحضرمي المحافظ والمتكافل.

مع مرور الوقت وخلال السنوات الأخيرة بدأت ملامح حفلات الخطوبة بمدينة المكلا تتغير في شكلها ومضمونها،      حيث بدأت هناك مظاهر جديدة، مثل الاهتمام بتفاصيل الديكور، وتنسيق الألوان والملابس الخاصة بالمناسبة التي أصبحت أمرًا ضروريًا للكثير من الناس والذي قد تصل تكلفته إلى حوالي 500 ألف ريال يمني، إلى جانب الاستعانة بمصورين محترفين في بعض الأحيان، فأصبحت هذه المناسبة تُخطط لتكون حدثًا متكاملًا يُقاس نجاحه بتلك المظاهر المادية والديكورات الخارجية والزينة، غير أنّ تضخم هذه التكاليف ألقى بأعباء إضافية على الشباب وأولياء الأمور، فباتت النظرة إلى المناسبة تنصرف بدرجة أكبر إلى كيفية توفير المبلغ المطلوب لإخراجها بالصورة الكاملة، بدل التركيز على بعدها الاجتماعي والرمزي.                         .

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التقني دورًا محوريًا في هذا التغيير، إذ أصبحت الصور ومقاطع الفيديو التي تنشر من حفلات الخطوبة نموذجًا يُحتذى به عند بعض الناس، ومقياسًا غير معلن للمقارنة بين الأسر. ومع انتشار منصات التواصل مثل (الواتساب–الفيس بوك– الانستقرام–السناب شات) بين المجتمع في مدينة المكلا وكثرة استخدامها بين الشباب، تحولت هذه المناسبة من الخاص إلى العام، الأمر الذي خلق ضغطًا اجتماعيًا دفع الكثير من الأسر إلى مجاراة هذا التيار خوفًا من الانتقاد أو الظهور بمظهر أقل شأنًا من غيرهم.

امتدت تأثيرات التغير في حفلات الخطوبة بمدينة المكلا لتشمل الجانب الاقتصادي للأسر، حيث ارتفعت التكاليف المرتبطة بالمناسبة بشكل ملحوظ في ظل الظروف المعيشية الراهنة. ويشير أحد أولياء الأمور إلى أن تجهيزات الحفل تتطلب مبالغ كبيرة، ما يستدعي إعادةً ترتيب أولويات الأسرة لتلبية متطلبات الاحتفال. كما أصبح الجيل الحالي يواكب التطورات الحديثة في هذا المجال، مما دفع الأهالي إلى توفير كل المستلزمات الخاصة بالمناسبة لضمان فرحة أبنائهم وتحقيق مستوى الاحتفال الذي يتماشى مع التوجهات الاجتماعية السائدة.

وقد أخذت التكاليف المرتفعة وأسلوب الاستعراض يحلّان تدريجيًا محل روح البساطة والمشاركة التي كانت تميز هذه الاحتفالات، ما دفع بعض الخبراء الاجتماعيين والإعلاميين للتعليق على تداعيات هذه الظاهرة على الأسرة والمجتمع. إذ ترى الدكتورة دعا سالم باوزير رئيس قسم الإعلام بجامعة حضرموت سابقاً، أنّ “التغيرات الحاصلة لحفلة الخطوبة في الوقت الراهن بمدينة المكلا ابتعدت عن العادات التي كانت تتميز بالبساطة التي يسودها الحب والفرح إلى مناسبة تصرف عليها مئات الآلاف في حين نحن بحاجة ماسة إلى هذه المبالغ من أجل أن نصرفها على البيوت من مأكل وملبس وغيره. وللأسف فإننا نلاحظ الكثير من الأسر بمدينة المكلا لا تملك قوت يومها ولكن تخضع لهذه التغيرات والتحولات دون الاهتمام بما ستتعرض له الأسرة فيما بعد من تدهور اقتصادي لسداد ما عليها من ديون، فنحن كشخصيات اجتماعية لابد أن نسهم في تعريف المجتمع بقيمة المناسبة وجوهرها الحقيقي وعدم المبالغة في المظاهر التي تُضعف الروابط الاجتماعية والتي تقوم أساسًا على المشاركة والتكافل، لا على الاستعراض والمقارنة”.

لا يهدف تسليط الضوء على هذه الظاهرة إلى رفض التطور أو العودة القسرية إلى أنماط الماضي، بل الدعوة لوعي مجتمعي يوازن بين التحديث والحفاظ على القيم الاجتماعية الإيجابية، فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن توظيفها بشكل إيجابي دون أن تتحول إلى مصدر ضغط أو معيار للحكم على الآخرين، حيث أنّ إعادة الاعتبار لقيمة البساطة لا تعني التقليل من أهمية المناسبة بل تعني التركيز على جوهرها الإنساني والاجتماعي وتخفيف الأعباء عن الشباب، بما يُسهم في تعزيز الاستقرار الأسري والاجتماعي. فالتغيير أمر يعكس تطور المجتمع وانفتاحه، ولكل زمن عاداته وأساليبه في التعبير عن الفرح ولكن هذا الأمر يحتاج إلى توازن واعتدال، فالمعروف أنّ الدخل المعيشي للأسر في المكلا مختلف من أسرة إلى أخرى، ولذلك وجب التعامل مع تجهيزات مناسبة حفلة الخطوبة بما يتماشى مع معيار الدخل المعيشي للأسرة دون التعرض للتكلف المتزايد الذي قد يرفع كاهل أب الأسرة أو الشاب المقبل على الزواج، فاستخدام بعض الديكورات البسيطة التي لا تحتاج إلى مبالغ مالية باهظة تصل إلى 50 ألف يمني، قد تفي بالغرض دون المساس بالجوهر الاجتماعي المحافظ على معناها الحقيقي،  وجعلها خطوة إيجابية تمهد لبناء أسرة لا عبئًا يسبقها.

ومع ذلك فإنّ هناك بعض الأصوات المجتمعية التي تدعو للرفض، وتؤكد أنّ هذا التحول خرج عن حدوده المقبولة وأصبح نوعًا من التكلف والمبالغة التي لا تتماشى مع القيم الحضرمية القائمة على البساطة والاعتدال، بل تحولت إلى ساحة للمنافسة والاستعراض تقاس فيها قيمة الفرح بحجم الإنفاق.

وتسهم هذه الممارسات المستحدثة في تعميق الفوارق الاجتماعية، إذ تحولت المناسبة إلى مساحة لقياس القدرة المادية وإبرازها، الأمر الذي عزّز ثقافة المقارنة وأوجد شعورًا بالضغط لدى الأسر ذات الدخل المحدود. ومع ارتفاع سقف التوقعات، باتت بعض العائلات تجد نفسها أمام التزامات مالية تفوق إمكاناتها، ما يكرّس فجوة متزايدة بين الطبقات ويُشعر شريحة من المجتمع بالعجز أو التهميش. وفي هذا السياق يُحذّر الأستاذ ماهر مقرم، أُستاذ علم الاجتماع بتربية ساحل حضرموت، من أن استمرار هذا النمط الاستهلاكي قد يُفاقم التفاوت الاجتماعي ويُضعف روح التضامن، بما يهدد الاستقرار المجتمعي ويفتح المجال لتنامي الاحتقان والاختلاف بين الأسر.

ومن خلال المناقشة السابقة يمكن القول بشيء من التأكيد إنّ ما تعيشه حفلات الخطوبة من مبالغة وتكلف يستدعي وقفة جادة من المجتمع الحضرمي خاصة بمدينة المكلا، فالمناسبة التي وجدت لتكون بداية ميسرة لحياة جديدة لا ينبغي أن تتحول إلى أعباء تثقل أولياء الأمور والشباب وتؤخر استقرارهم، ومن هنا فإنّ تعزيز ثقافة الاعتدال والاقتداء بالنماذج البسيطة كفيل بإعادة التوازن وترسيخ قيم أصيلة طالما تميز بها مجتمعنا الحضرمي.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

 

The post اجعلوا البساطة طريق الفرح المستدام … لخطوبة تحتوي دفء الماضي ومظاهر الحاضر appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية