يمن ديلي نيوز – قراءة تحليلية: منذ التاسع من يوليو/تموز الجاري، يقود عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبدالله العليمي، سلسلة من اللقاءات المكثفة في العاصمة البريطانية لندن، في توقيت يُعد من أكثر اللحظات حساسية في مسار الصراع اليمني خلال السنوات الأخيرة.
فهذه الزيارة تأتي بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي المصنفة إرهابية على خلفية الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء، وما تبعها من استهداف حكومي للمطار للمرة الأولى منذ عام 2022.
الزيارة شهدت لقاءات مكثفة شملت دوائر القرار السياسي والأمني والبرلماني والإعلامي والعسكري البريطاني، لكن السؤال الأهم هو مالذي تحمله هذه اللقاءات، وماهي الرسائل التي سعى العليمي لإيصالها، وما المقاربة التي طرحها للمجتمع الدولي عن الحرب في اليمن في ظل التحولات المتسارعة.
فخلال أقل من أسبوع، تنقل العليمي بين مؤتمر “لندن 2026” الذي ينظمه معهد “تشاتام هاوس”، ووزارة الخارجية البريطانية، ووزارة الدفاع، والبرلمان البريطاني، إلى جانب مخاطبة الرأي العام الغربي عبر صحيفة “الغارديان”.
يكشف هذا التنوع في الجهات المستهدفة أن تحرك “العليمي” لم يكن مقتصراً على العلاقات الثنائية التقليدية، بل استهدف التأثير في مراكز متعددة لصنع القرار البريطاني، بدءاً من المؤسسات التنفيذية وانتهاءً بمراكز الفكر والإعلام.
إعادة تقديم الصراع
ومن خلال تتبع “يمن ديلي نيوز” لمضمون اللقاءات، يمكن ملاحظة أن “العليمي” عمل على إعادة تقديم الصراع اليمني من زاوية مختلفة.
فبدلاً من التركيز على الحرب باعتبارها نزاعاً داخلياً أو أزمة إنسانية ممتدة، سعى إلى ربطها بملفات الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية والتنافس الإيراني الغربي في المنطقة.
هذا العرض للقضية اليمنية بدا واضحاً في معظم اللقاءات، حيث ركز العليمي على الربط بين الدعم الإيراني للحوثيين والتهديدات التي تطال البحر الأحمر وباب المندب.
وفيما تسعى إيران وجماعة الحوثي عبر غرف صناعة التأثير للتسويق بأن الرحلات الإيرانية محاولة لكسر الحصار وتحمل جانباً إنسانية، عمل عضو الرئاسي اليمني على التأكيد على أن الرحلات الجوية الإيرانية تمثل أكثر من مجرد خلاف حول تشغيل مطار صنعاء، بل تعكس – من وجهة نظره – محاولة لفرض وقائع جديدة تتجاوز سلطة الدولة اليمنية.
ويبدو من سياق اللقاءات أن الرئاسة اليمنية تراهن على أن التطورات الإقليمية الحالية تمنحها فرصة لإعادة إدراج الملف اليمني ضمن أولويات العواصم الغربية، خصوصاً بعد أن تراجع حضوره نسبياً خلال السنوات الأخيرة لصالح ملفات دولية أخرى.
فالهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 دفعت القوى الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة، إلى النظر إلى اليمن من منظور أمني واستراتيجي أوسع.
وفي هذا السياق، يمكن فهم حرص العليمي على المشاركة في مؤتمر “لندن 2026” التابع لمعهد “تشاتام هاوس”، أحد أبرز مراكز التفكير المؤثرة في السياسة الخارجية البريطانية.
مشاركة العليمي في هذا المنتدى يؤكد أن الحكومة اليمنية لا تسعى فقط إلى كسب مواقف رسمية، بل تحاول أيضاً التأثير في البيئة الفكرية والسياسية التي تصاغ داخلها التوجهات البريطانية تجاه المنطقة.
رسائل تتجاوز الأزمة
كما أن اللقاءات مع وزارة الخارجية البريطانية ومسؤوليها حملت رسائل تتجاوز الأزمة الآنية المرتبطة بمطار صنعاء.
إذ ركز العليمي على فكرة أساسية مفادها أن الهدن والتفاهمات السابقة لم تفض، إلى تقدم في مسار التسوية، بل منحت الحوثيين فرصة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية وتعزيز ارتباطهم بالمشروع الإيراني.
أما اللقاء مع وزيرة القوات المسلحة البريطانية، فيكشف أن الجانب الأمني والعسكري أصبح يحتل موقعاً متقدماً في أولويات الحكومة اليمنية.
لم يقتصر النقاش في هذا اللقاء على التطورات الميدانية، وامتد إلى برامج التدريب والتأهيل وتعزيز قدرات القوات الحكومية، في تحول يعكس توجه الحكومة اليمنية إلى توسيع أشكال التعاون العسكري مع لندن في ظل التهديدات المتزايدة في البحر الأحمر.
في المقابل، تعكس اللقاءات البرلمانية، سواء مع زعيم مجلس العموم البريطاني آلان كامبل أو مع رئيس المجموعة البرلمانية الخاصة باليمن طاهر علي، إدراكاً لأهمية المؤسسة التشريعية البريطانية في التأثير على السياسات الخارجية.
يعكس هذا اللقاء نظرة العليمي للدور الذي تلعبه القيادات البرلمانية البريطانية في صناعة القرار، وينبع من إدراك على أهمية الحفاظ على حضور الملف اليمني داخل البرلمان البريطاني لما يضمنه ذلك من استمرار للدعم السياسي والاقتصادي والإنساني.
لكن السؤال الأهم يتعلق بمدى قدرة هذه التحركات على إحداث تحول فعلي في الموقف البريطاني تجاه اليمن.
فمن غير المرجح أن تؤدي الزيارة وحدها إلى تغيير جذري في السياسة البريطانية، التي لا تزال تستند إلى ثلاثة محددات رئيسية: دعم جهود التسوية السياسية، وحماية الملاحة الدولية، ومنع اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومع ذلك، قد تسهم هذه التحركات في دفع لندن إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه بعض الملفات المرتبطة بالحوثيين، ولا سيما تلك المتعلقة بالملاحة البحرية والرحلات الجوية والعلاقات الإيرانية.
كما قد تفتح المجال أمام توسيع أشكال التعاون الأمني والتقني مع الحكومة اليمنية، خصوصاً في مجالات خفر السواحل وحماية الممرات البحرية.
وفي الوقت نفسه، تواجه المقاربة اليمنية تحدياً مهماً يتمثل في إقناع الشركاء الدوليين بأن تعزيز الدعم السياسي والعسكري للحكومة يمكن أن يترجم إلى استقرار فعلي على الأرض، في ظل استمرار الانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية وتعقيدات المشهد اليمني.
في المحصلة، لا تبدو زيارة عبدالله العليمي إلى لندن مجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي، إنما تعكس محاولة يمنية لإعادة تعريف الصراع أمام المجتمع الدولي، عبر نقله من إطار الحرب الداخلية إلى فضاء الأمن الإقليمي والدولي.
ويبقى نجاح هذه المحاولة مرهوناً بمدى استعداد بريطانيا وشركائها لإعادة ترتيب أولوياتهم تجاه اليمن، وبقدرة الحكومة اليمنية نفسها على تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب سياسية وأمنية ملموسة.
لندن حاملة القلم
ولا تنبع أهمية تحركات العليمي في لندن من الثقل السياسي والعسكري البريطاني فحسب، بل من الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة المتحدة داخل مجلس الأمن الدولي باعتبارها “حاملة القلم” في الملف اليمني.
فمنذ اندلاع الحرب، تتولى بريطانيا مسؤولية إعداد وصياغة مشاريع القرارات والبيانات المتعلقة باليمن، وإدارة المفاوضات بين أعضاء المجلس بشأنها، ما يمنحها تأثيراً كبيراً في تشكيل المقاربة الدولية تجاه الصراع ومسارات التسوية.
وخلال السنوات الماضية، لعبت لندن دوراً رئيسياً في صياغة القرارات الأممية الخاصة باليمن، وفي دعم جهود المبعوثين الأمميين المتعاقبين، بالتوازي مع انخراطها في الملفات الإنسانية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالأزمة اليمنية.
كما تعززت أهمية هذا الدور مع تصاعد الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد ربط الملف اليمني بحسابات الأمن الإقليمي والمصالح الغربية.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تحركات عبدالله العليمي في العاصمة البريطانية بوصفها محاولة للتأثير في الدولة الأكثر حضوراً داخل أروقة مجلس الأمن بشأن اليمن، وإعادة طرح رؤية الحكومة للصراع في لحظة تشهد تحولات إقليمية متسارعة، وتصاعداً في التنافس حول مستقبل البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية.
ظهرت المقالة من تشاتام إلى الدفاع.. “العليمي” في مهمة إعادة تعريف الصراع اليمني أمام حاملة القلم أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.