في إطار الآثار التي خلفتها الحرب في السودان، لجأ مئات الآلاف من السودانيين إلى جنوب السودان بحثاً عن الأمان، إلا أن رحلة اللجوء حملت معها تحديات جديدة، كان أبرزها التعليم. ويواجه الطلاب السودانيون صعوبات كبيرة في مواصلة دراستهم بسبب اختلاف اللغة والمناهج الدراسية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية القاسية التي تعيشها الأسر اللاجئة. ورغم الجهود التي تبذلها حكومة جنوب السودان والمنظمات الإنسانية، ما يزال الدعم التعليمي محدوداً ولا يغطي احتياجات جميع اللاجئين، مما أدى إلى انقطاع كثير من الطلاب عن الدراسة، بينما تمكن آخرون من مواصلة تعليمهم بعد معاناة كبيرة، في ظل محدودية دور الحكومتين وقصور استجابة المنظمات الإنسانية لتلبية الاحتياجات .
أجبرت الحرب في السودان، التي اندلعت عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، آلاف الأسر على مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان في دول الجوار.
وكان جنوب السودان من أبرز الوجهات التي استقبلت أعداداً كبيرة من الفارين من النزاع. وبينما حمل اللاجئون معهم آمال العودة والاستقرار، أصبح التعليم واحداً من أكبر التحديات التي تواجه الأطفال والشباب خلال رحلة اللجوء والنزوح، في ظل استمرار حرب ألحقت دماراً واسعاً بمختلف أنحاء السودان.
ويبلغ عدد اللاجئين السودانيين وطالبي اللجوء من السودان في جنوب السودان نحو 607 آلاف شخص، وفقاً لأحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى 31 مايو/أيار 2026. ويمثل السودانيون نحو 94.6% من إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء الموجودين في جنوب السودان.
ويواجه الطلاب السودانيون في جنوب السودان واقعاً تعليمياً مختلفاً عما اعتادوا في بلادهم. فمعظمهم تلقى تعليمه باللغة العربية ووفق المنهج السوداني، في حين يعتمد النظام التعليمي في جنوب السودان اللغة الإنجليزية لغةً أساسية للتدريس. ويشكل هذا الاختلاف عائقاً أمام اندماج كثير من الطلاب داخل الفصول الدراسية، ويجعل مواصلة الدراسة أكثر صعوبة، خاصة في المراحل التعليمية الأولية والمتوسطة.
ولا تقتصر التحديات على اللغة والمناهج فقط، إذ تعاني العديد من الأسر اللاجئة أوضاعاً اقتصادية صعبة بعد فقدان مصادر دخلها وممتلكاتها. وتجد هذه الأسر نفسها أمام مسؤولية توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن ورعاية صحية، بينما تتحول متطلبات التعليم، من رسوم وكتب واحتياجات مدرسية، إلى عبء إضافي في ظل الظروف المعيشية القاسية.
كما يواجه بعض الطلاب صعوبات مرتبطة بفقدان الوثائق والشهادات الدراسية التي تعذر الحصول عليها بسبب ظروف النزوح المفاجئ، الأمر الذي يؤثر على إجراءات التسجيل وتحديد مستوياتهم التعليمية المناسبة.
ورغم هذه التحديات، تبذل حكومة جنوب السودان والمنظمات الإنسانية وشركاء التعليم جهوداً لضمان عدم حرمان الأطفال السودانيين من حقهم في التعليم، إلا أن حجم الخدمات المقدمة ما يزال محدوداً، ولا يصل إلا إلى أعداد قليلة وفي مناطق محددة لا تشمل جميع اللاجئين.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات على وصول اللاجئين السودانيين إلى جنوب السودان، ما تزال معاناة كثير منهم، لا سيما في مجال التعليم، مستمرة. وتبرز صعوبات اللغة، واختلاف المناهج والنظام التعليمي، وضعف الدعم المطلوب من الجهات المعنية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر اللاجئة، كأبرز العوامل التي تعيق استمرار الطلاب في مسيرتهم التعليمية.
نعيمة أبكر، التي وصلت إلى جنوب السودان مع أبنائها الخمسة قادمة من دارفور قبل عامين، تقول إن الواقع لم يكن كما توقعت. فقد واجهت الأسرة ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة اندماج أبنائها في المجتمع الجديد، إضافة إلى تحديات اللغة والمناهج. ورغم وجود مدارس باللغة العربية، فإنها لا تتناسب مع ظروف الأسرة كلاجئة بسبب الأعباء الاقتصادية.
وهناك العديد من الحالات لطلاب وتلاميذ اضطروا إلى التوقف عن مواصلة التعليم، بينما يحاول آخرون الكفاح من أجل الاستمرار. ومن بينهم الطالبة نجاح حسن، التي وصلت من مدينة زالنجي إلى جوبا عام 2024، وتمكنت بعد معاناة وصعوبات كبيرة من الالتحاق بكلية الطب بجامعة جوبا، بدعم من أسرتها وتشجيع زملائها من اللاجئين.
ويرى مراقبون أن محدودية دور منظمات المجتمع المدني، إلى جانب ضعف استجابة الحكومتين في السودان وجنوب السودان، أسهما في تفاقم معاناة الطلاب اللاجئين.
وتقول الصحفية بالهيئة التشريعية الانتقالية في جوبا أنجلينا جون إن هناك قصوراً واضحاً على مختلف الأصعدة، سواء من جانب الحكومتين في البلدين أو المنظمات المحلية والدولية، مشيرة إلى أن اللاجئين السودانيين ما زالوا في أمسّ الحاجة إلى الدعم في مجال التعليم والعون الإنساني.
ويؤكد مختصون في مجال التعليم أن المدرسة لا توفر المعرفة فقط، بل تمنح الأطفال أيضاً شعوراً بالاستقرار والانتماء، وتساعدهم على تجاوز آثار الصدمات التي خلفتها الحرب والنزوح. لذلك يُنظر إلى التعليم باعتباره جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية، وليس مجرد خدمة يمكن تأجيلها إلى حين انتهاء الأزمات.
وتوصي الوكالات الأممية المعنية بشؤون اللاجئين بالعمل على تعزيز الدعم الموجه للطلاب اللاجئين، باعتبار التعليم ركيزة أساسية، والعمل على دمج الأطفال والشباب في المجتمعات المضيفة، حتى لا تضيع فرص مستقبل هذا الجيل بسبب حرب لا يُعرف موعد نهايته .
أخبار ذات صلة.