تحليل خاص – علي العقيلي: في السياسة، لا تُقرأ البيانات الرسمية بمعزل عن توقيتها، ولا تُفهم الاجتماعات الاستثنائية بعيداً عن السياق الذي جاءت فيه. فالبيانات لا تقتصر على إعلان المواقف، بل تحمل في كثير من الأحيان رسائل تتجاوز ظاهرها، وتعكس طريقة قراءة صانعي القرار للأحداث، وقد تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة أكثر مما تعلنه بشكل مباشر.
وخلال الأيام الماضية، شهد الملف اليمني سلسلة من التطورات المتسارعة؛ بدأها اتساع النكف القبلي في منطقة الريان شرقي محافظة الجوف، ثم البيان التصعيدي الصادر عن جماعة الحوثي بشأن الرحلة الجوية الإيرانية إلى مطار صنعاء، وما تضمنه من اتهامات للتحالف وتهديدات باستهداف المصالح السعودية، قبل أن يعقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماع استثنائي لمناقشة الاختراق أعقبه بيان شديد اللهجة عن التحالف العربي.
قد تبدو هذه الأحداث منفصلة عند قراءتها كلٌ على حدة، لكن تزامنها يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع، لا سيما أن بيان التحالف واجتماع مجلس القيادة لم يكتفيا بالتعليق على التطورات الأخيرة، بل أعادا صياغة الرواية السياسية للمشهد، ونقلا مركز الاهتمام من حادثة الرحلة الإيرانية إلى قضايا تتعلق بمسار السلام، والسيادة اليمنية، والأوضاع الداخلية في مناطق سيطرة الحوثيين.
جماعة الحوثي، من خلال بيانها، حاولت أن تجعل عنوان المشهد هو ما وصفته بمحاولة منع هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، وأن تقدم نفسها في موقع المدافع عن السيادة اليمنية، ملوحة بالرد على ما اعتبرته تصعيدًا سعوديًا، في محاولة لتوجيه الأنظار نحو هذه القضية بوصفها جوهر الأزمة.
غير أن بيان التحالف اتخذ مساراً مختلفاً تماماً؛ إذ لم يدخل في سجال حول تفاصيل الرحلة، ولم يجعلها محور خطابه، بل أعاد تعريف المشهد من زاوية أخرى، مؤكداً أن الحوثيين هم من أفشلوا جهود السلام برفضهم خارطة الطريق التي وافقت عليها الحكومة اليمنية، وأن تصعيدهم الأخير يأتي في سياق محاولة صرف الأنظار عن أزماتهم الداخلية.
تغطية الرفض القبلي
ومن بين ما ورد في بيان التحالف، برزت عبارة لافتة حين أشار إلى أن الجماعة تسعى إلى تغطية “الرفض القبلي والاجتماعي” الذي تواجهه.
قد تبدو هذه العبارة عابرة للوهلة الأولى، لكنها تستحق التوقف؛ لأن بيانات التحالف اعتادت خلال سنوات الحرب التركيز على الجوانب العسكرية والأمنية أو على المبادرات السياسية، بينما جاء هذا البيان ليبرز، بهذا الوضوح، عاملًا داخليًا مرتبطًا بالمجتمع اليمني باعتباره جزءًا من تفسير سلوك الحوثيين وتصعيدهم الأخير.
ولم يأتِ هذا الحديث في فراغ، بل تزامن مع اتساع الحراك القبلي في الريان شرقي الجوف، وهو ما يجعل الربط بين الأمرين مشروعاً من الناحية التحليلية، حتى وإن لم يشر البيان بصورة مباشرة إلى هذا الحراك، فاختيار التحالف لهذه اللغة يوحي بأنه أراد توجيه الاهتمام إلى الداخل اليمني بوصفه أحد مفاتيح فهم التطورات الأخيرة، بدلًا من الاكتفاء بمناقشة الرواية التي حاول الحوثيون فرضها حول الرحلة الإيرانية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في بيان التحالف أنه لم يتعامل مع التصعيد الأخير بوصفه أزمة مرتبطة برحلة جوية أو بتهديدات عسكرية فحسب، بل قدم تفسيرًا سياسيًا متكاملًا لسلوك جماعة الحوثي. فبدلًا من الاكتفاء بالرد على الاتهامات، وضع تصعيد الجماعة في إطار أوسع، قوامه أنها تواجه أزمة داخلية، وأن محاولتها نقل النقاش إلى قضية الرحلة الإيرانية ليست سوى وسيلة للهروب من تلك الأزمة وإعادة توجيه الاهتمام نحو الخارج.
وهذه المقاربة تختلف عن كثير من البيانات السابقة، التي انصب اهتمامها على الجوانب العسكرية المباشرة أو على جهود التهدئة. أما في البيان الأخير، فقد بدا أن التحالف أراد التأكيد على أن استمرار الأزمة اليمنية لا يرتبط فقط بالتصعيد العسكري، وإنما أيضًا برفض الحوثيين مسار السلام، وبما يواجهونه من تحديات داخلية دفعتهم، وفقًا للبيان، إلى تصعيد خطابهم السياسي والإعلامي.
وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن “الرفض القبلي والاجتماعي” أهمية خاصة؛ إذ لم يأتِ بوصفه وصفًا عابرًا، وإنما باعتباره جزءًا من تفسير التحالف لأسباب التصعيد الحوثي. وهو ما يعكس تحولًا في الخطاب الرسمي من التركيز على الوقائع العسكرية إلى قراءة أوسع للمشهد الداخلي في مناطق سيطرة الجماعة.
قبل ذلك كان مجلس القيادة الرئاسي قد عقد اجتماعًا استثنائيًا بحضور رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين، وهو ما أضفى على التطورات الأخيرة بعدًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز مجرد التعليق على رحلة جوية.
واللافت أن المجلس لم يقتصر على إدانة الرحلة الإيرانية، بل اعتبرها انتهاكًا صارخًا لسيادة الجمهورية اليمنية، وحمّل النظام الإيراني مسؤولية مباشرة عن هذا التصعيد، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لوقف التدخلات الإيرانية في الشأن اليمني.
ومن خلال قراءة بيان التحالف واجتماع مجلس القيادة معًا، يتضح وجود تناغم واضح في الخطاب السياسي. فكلاهما شددا على أن الحوثيين يتحملون مسؤولية إفشال جهود السلام، وكلاهما ربط التصعيد بالدور الإيراني، وكلاهما نقل النقاش من تفاصيل الرحلة الجوية إلى قضايا السيادة اليمنية، ومستقبل العملية السياسية، والأزمة التي تواجهها الجماعة في الداخل.
ولا يقتصر هذا التناغم على تشابه المواقف، بل يمتد إلى طريقة بناء الرواية السياسية نفسها؛ إذ بدا أن المؤسستين أرادتا إعادة ترتيب أولويات النقاش، بحيث لا تصبح الرحلة الإيرانية هي القضية المركزية، وإنما تُقرأ باعتبارها جزءًا من سياق أوسع يتعلق بالدور الإيراني، وتعثر مسار السلام، والتطورات المتسارعة داخل اليمن.
وعند النظر إلى تزامن بيان التحالف مع اجتماع مجلس القيادة الرئاسي، يصعب التعامل مع الأمر باعتباره مجرد مصادفة زمنية. فالرسائل التي حملها الطرفان بدت متقاربة في مضمونها واتجاهها، وهو ما يعكس وجود رؤية مشتركة في توصيف المرحلة الراهنة، وفي تحديد طبيعة التحديات التي تواجه الدولة اليمنية.
ففي الوقت الذي ركز فيه بيان التحالف على أن الحوثيين يحاولون تصدير أزماتهم الداخلية، جاء اجتماع مجلس القيادة ليضع الرحلة الإيرانية في إطار أوسع، باعتبارها انتهاكًا مباشرًا للسيادة اليمنية وتحديًا لسلطة الدولة، وليس مجرد إجراء يتعلق بحركة الطيران المدني. وبهذا انتقل النقاش من تفاصيل الحدث إلى أبعاده السياسية والقانونية والإقليمية.
كما أن حضور رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين للاجتماع يعكس أن القيادة اليمنية أرادت التعامل مع التطورات الأخيرة باعتبارها قضية تمس الأمن القومي والسيادة، وهو ما منح الاجتماع دلالة تتجاوز كونه لقاءً اعتياديًا لإصدار موقف سياسي.
محاولة لإعادة السردية
ومن زاوية أخرى، فإن الخطاب الصادر عن التحالف ومجلس القيادة يعكس محاولة لإعادة بناء السردية السياسية للأزمة اليمنية أمام المجتمع الدولي. فبدلًا من أن ينحصر النقاش في مزاعم الحوثيين بشأن الرحلة الإيرانية، أعيد توجيه الاهتمام نحو مسؤولية الجماعة عن تعطيل جهود السلام، وإلى استمرار التدخل الإيراني في الشأن اليمني، وإلى طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة اليمنية في هذه المرحلة.
وهذا التحول في الخطاب لا يعني بالضرورة وجود قرار بتغيير مسار الصراع أو الانتقال إلى خيارات جديدة، لكنه يكشف عن اختلاف واضح في طريقة عرض الأحداث وإدارة الرسائل السياسية.
فالبيانات الرسمية لا تكتفي بوصف الوقائع، بل تسعى أيضًا إلى تحديد الإطار الذي ينبغي أن تُفهم من خلاله تلك الوقائع، وهو ما بدا حاضرًا بوضوح في البيان والاجتماع.
ولهذا، فإن أهمية بيان التحالف لا تكمن في لهجته الحازمة فحسب، وإنما في الطريقة التي أعاد بها ترتيب أولويات المشهد، كما أن أهمية اجتماع مجلس القيادة لا تقتصر على توقيته، بل تمتد إلى الرسائل التي حملها بشأن السيادة اليمنية، والدور الإيراني، ومستقبل التعامل مع التطورات الأخيرة.
ورغم أن بعض المتابعين قد يربطون هذه الرسائل بإمكانية حدوث تصعيد عسكري خلال المرحلة المقبلة، فإن البيانات الصادرة حتى الآن لا تقدم ما يكفي للجزم بذلك. فالانتقال إلى أي مرحلة جديدة تحكمه اعتبارات سياسية وعسكرية وإقليمية معقدة، ولا يمكن استنتاجه من خلال بيان أو اجتماع واحد، مهما بلغت أهميتهما.
ومع ذلك، فإن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن لغة الخطاب تغيرت مقارنة بمرحلة التهدئة التي سادت خلال الفترة الماضية. فبدلًا من التركيز على الدعوات إلى خفض التصعيد، برز خطاب أكثر حزمًا في توصيف سلوك الحوثيين، وأكثر وضوحًا في تحميل إيران مسؤولية جانب من التطورات التي يشهدها الملف اليمني.
رسالة أخرى مهمة
كما أن بيان التحالف والاجتماع حملا رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الأحداث الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها وقائع منفصلة، بل باعتبارها حلقات في سياق سياسي واحد. فمن وجهة نظر التحالف ومجلس القيادة، لا تنفصل الرحلة الإيرانية عن مسألة السيادة اليمنية، ولا ينفصل التصعيد الحوثي عن رفض الجماعة لمسار السلام، ولا تنفصل هذه التطورات عن الأوضاع الداخلية التي أشار إليها بيان التحالف.
ومن هنا، فإن القراءة المتأنية لبيان التحالف واجتماع مجلس القيادة تكشف أن الرسالة الأساسية لم تكن الرد على حادثة بعينها، وإنما إعادة تعريف المشهد السياسي بأكمله. فقد جرى نقل النقاش من تفاصيل الرحلة الجوية إلى قضايا أكثر اتساعًا، تتعلق بمستقبل العملية السياسية، والدور الإيراني، ومسؤولية الحوثيين عن استمرار الأزمة، وطبيعة التحديات التي تواجه الدولة اليمنية.
ولذلك، فإن أهمية هذين الحدثين لا تكمن فقط فيما تضمناه من مواقف سياسية، وإنما في الطريقة التي أعادا بها ترتيب أولويات الخطاب الرسمي، وفي الرسائل التي سعيا إلى إيصالها إلى الداخل اليمني، وإلى المجتمعين الإقليمي والدولي.
فقراءة هذه الرسائل في سياقها الزمني والسياسي تبدو أكثر أهمية من الوقوف عند تفاصيل الأحداث نفسها، لأنها تقدم مؤشرات على كيفية نظر الأطراف الرسمية إلى المرحلة الراهنة، وإلى المسار الذي ينبغي أن يُقرأ من خلاله التصعيد الأخير.
لقد حاول الحوثيون أن يجعلوا عنوان المشهد هو الرحلة الجوية الإيرانية وما رافقها من اتهامات وتهديدات، لكن بيان التحالف أعاد صياغة الرواية من منظور مختلف، مركزاً على رفض الجماعة للسلام، والأزمة التي تواجهها في الداخل، فيما نقل اجتماع مجلس القيادة الرئاسي القضية إلى مستوى يتعلق بانتهاك السيادة اليمنية والدور الإيراني في الصراع.
وبهذا، لم تعد القضية تدور حول رحلة جوية فحسب، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع يتصل بمستقبل الأزمة اليمنية ومسارها السياسي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة عسكرية جديدة، كما لا يكفي وحده للجزم بوجود تحول جذري في إدارة الملف اليمني. فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى مؤشرات عملية تتجاوز البيانات الرسمية، إذ إن القرارات الكبرى تظل رهينة حسابات سياسية وعسكرية وإقليمية معقدة.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الخطاب الرسمي الصادر عن التحالف ومجلس القيادة الرئاسي حمل لغة مختلفة عن تلك التي سادت خلال مرحلة التهدئة. فقد اتسم بقدر أكبر من الحزم، وربط بين التطورات الأخيرة ومسؤولية الحوثيين عن تعطيل جهود السلام، كما وضع التدخل الإيراني في صدارة المشهد السياسي، وأبرز للمرة الأولى بهذا الوضوح الحديث عن الرفض القبلي والاجتماعي الذي تواجهه الجماعة.
ومن هنا، فإن قراءة بيان التحالف واجتماع مجلس القيادة الرئاسي لا ينبغي أن تقتصر على ما ورد فيهما من مواقف مباشرة، بل يجب أن تمتد إلى الرسائل السياسية التي حملاها، وإلى الطريقة التي أعادا بها ترتيب أولويات النقاش حول الأزمة اليمنية. فبدلًا من الانشغال بتفاصيل الرحلة الإيرانية، اتجه الخطاب الرسمي إلى طرح قضايا أكثر عمقًا، تتعلق بمستقبل السلام، والسيادة اليمنية، والدور الإيراني، والتحديات الداخلية التي تواجهها جماعة الحوثي.
وربما تكمن أهمية هذه التطورات في أنها تعكس تحولًا في طريقة تقديم المشهد السياسي أكثر من كونها إعلانًا عن تحول في مسار الصراع نفسه. فالبيانات الرسمية ليست مجرد ردود فعل على الأحداث، وإنما أدوات لصياغة الرواية السياسية وتوجيه طريقة فهمها. ولذلك، فإن متابعة ما سيأتي بعد هذه الرسائل سيكون أكثر أهمية من الرسائل نفسها، لأنه وحده سيكشف ما إذا كانت تمثل بداية لمرحلة جديدة، أم أنها تقتصر على إعادة ترتيب الخطاب السياسي في مواجهة تطورات فرضتها الأحداث الأخيرة.
ظهرت المقالة قراءة في بيان التحالف واجتماع الرئاسي.. هل أعادت الرحلة الإيرانية تعريف الأزمة اليمنية؟ أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.