الـمقدمـة
واصل الملف اليمني خلال النصف الثاني من يونيو 2026 حضوره في التناولات البحثية والإعلامية الدولية، لكن من زاويةٍ مختلفةٍ ركزت على إعادة تفسير التطورات التي برزت خلال النصف الأول من الشهر. فإذا كانت تغطيات تلك الفترة قد انصبت على عودة باب المندب إلى الواجهة في ظل التصعيد الحوثي واحتمالات “الصدمة النفطية المركبة”، فإن التناولات اللاحقة اتجهت إلى بحث العوامل التي تفسر قدرة هذا التصعيد على الاستمرار. ومن هنا، لم يعد النقاش مقتصرًا على الهجمات البحرية أو تهديد باب المندب، بل امتد إلى البنية التي يستند إليها التصعيد، بما تشملُه من موارد مالية، ومسارات للسلاح، وشبكات تهريب، ووسطاء محليين وإقليميين، فضلًا عن الثغرات القائمة في منظومة الرقابة الدولية.
وفي موازاة ذلك، أعادت التغطيات قراءة الحوثيين بوصفهم فاعلًا قادرًا على تنويع علاقاته ومصادر قوته، سواء من خلال مؤشرات التعاون مع حركة الشباب الصومالية، أو من خلال توظيف البحر الأحمر كورقة مساومة ترتبط بالضغط الاقتصادي داخل مناطق سيطرته، وبمسار التفاوض مع السعودية. وبذلك، تبدو الجماعة فاعلًا براغماتيًا يتحرك بين الإقليم والداخل، لا أداةً تابعةً لمحور خارجي فحسب.
ولم يقتصر هذا التحول في القراءة على مناطق سيطرة الحوثيين، فقد حضرت المحافظات الجنوبية بوصفها ساحةً أخرى لإعادة توزيع النفوذ، في ظل تصاعد الاضطرابات الأمنية، وتزايد الضغط الحكومي والسعودي على المجلس الانتقالي الجنوبي، وتنامي التساؤلات حول حدود الدور الإماراتي في الجنوب. وهنا يبرز الجنوب بوصفه اختبارًا لقدرة الحكومة الشرعية على فرض سلطةٍ موحدةٍ في مواجهة تعدد مراكز القوة وازدواجية المؤسسات الأمنية والسياسية.
وعلى هذا النحو، بدت تناولات النصف الثاني من يونيو أقرب إلى قراءة البنية التي تتحرك في إطارها الأزمة اليمنية: تصعيدٌ حوثيٌّ يتغذى على شبكاتٍ مرنة، واحتواءٌ دوليٌّ تعترضه ثغراتٌ رقابية، وحكومةٌ شرعيةٌ تواجه تحدي استعادة السلطة، وجنوبٌ تُعاد صياغة توازناته تحت ضغط التنافس المحلي والإقليمي. وهي صورةٌ تكشف عن مشهدٍ لا يزال هشًا وقابلًا لإعادة التشكل، أكثرَ مما تعكس مسارًا مستقرًا نحو التهدئة أو التسوية.
ثغرات احتواء الحوثيين: المال والسلاح خارج مسارات الرقابة
تكشف تحقيقاتٌ نُشرت مؤخرًا عن فجوةٍ بين أهداف احتواء الحوثيين المعلنة، وما تعكسه مسارات المال والسلاح على الأرض، فبين أموالٍ تنموية يشتبه في تسربها عبر شبكات فساد، وأسلحةٍ غربية تظهر في الأسواق السوداء داخل اليمن وساحات نزاع إقليمية، تبرز إشكاليةٌ أعمق تتعلق بقدرة منظومات الرقابة على تتبع الموارد بعد خروجها من قنواتها الرسمية، ومنع إعادة توجيهها داخل اقتصاد حرب شديد التعقيد.
يرتبط المسار الأول بالمساعدات التنموية الألمانية. فبحسب تحقيقٍ نشرته الصحيفة الأسبوعية الألمانية Welt am Sonntag، اختفت عشراتُ الملايين من اليوروهات من الأموال التي ضختها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في اليمن بين عامي 2015 و2025. ووفقًا للتحقيق، جرى ذلك عبر عمليات احتيال داخلية يُشتبه في ضلوع ما لا يقل عن عشرين موظفًا في الوكالة فيها، شملت إصدار فواتير لندوات تدريبية لم تُعقد، وتضخيم قيمة عقود، وتقديم طلبات منح غير حقيقية.
غير أن أهمية القضية لا تقف عند واقعة الفساد المالي، بل تمتد إلى سؤالٍ أكثر أهمية: إلى أين انتهت هذه الأموال؟ فقد واصلت الوكالة عملها في مناطق شمال اليمن الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، في بيئةٍ يصعب فيها العمل بمعزلٍ عن سلطات الأمر الواقع التي فرضوها. وبحسب التحقيق، امتدت الشبهات إلى وسطاء محليين في اليمن، ما يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ حول ما إذا كان جزءٌ من هذه الأموال قد تسرب، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، إلى شبكاتٍ عاملة داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع ما أورده التحقيق بشأن استمرار تعامل الوكالة مع بنك اليمن والكويت، رغم وجود تحذيراتٍ داخلية، قبل أن تفرض وزارة الخزانة الأمريكية لاحقًا عقوباتٍ على البنك بتهمة مساعدة الحوثيين في إنشاء وتمويل شركات واجهة. كما يشير التحقيق إلى أن الوكالة تخلصت من عددٍ كبيرٍ من ملفاتها أثناء انسحابها من شمال اليمن، وهو ما يجعل تتبع مسار الأموال أكثر صعوبة.
وهنا تتجلى المفارقة؛ فبرلين تدين الحوثيين سياسيًا، وتشارك في المهمة البحرية الأوروبية في البحر الأحمر، وتقدم عمل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في شمال اليمن بوصفه جزءًا من جهود الحد من نفوذ الجماعة. غير أن ما كشفه التحقيق يطرح سؤالًا معاكسًا: هل أسهمت بعض الأموال التنموية، بفعل ضعف الرقابة وتشابك الوسطاء، في تغذية شبكاتٍ تعمل داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي؟
أما المسار الثاني، فيرتبط بحركة السلاح. فقد وثق تحقيقٌ أجرته قناة CBC ظهور بنادق قنص كندية الصنع من طراز Sterling Cross XLCR في إعلاناتٍ علنية لتجار سلاح في صنعاء، إلى جانب ظهورها في أيدي مقاتلين شبه عسكريين في السودان وعناصر ميليشيا في ليبيا.
وأكد تجارُ سلاحٍ تواصلت معهم القناة عرض هذه البنادق للبيع، وتحدث بعضهم عن تهريبها إلى البلاد، كما عرضوا أسلحةً أخرى مصدرها الصين وروسيا والولايات المتحدة. ويرجح خبراء استند إليهم التقرير أن وصول أسلحةٍ غربية خاضعةٍ للقيود إلى هذه الوجهات يرتبط بمسارات إعادة توجيه تمر عبر الإمارات العربية المتحدة، التي يصفها التقرير بأنها عقدةٌ مركزية في انتقال الأسلحة إلى أطرافٍ غير حكومية. وبحسب أحد الباحثين الواردين في التحقيق، لا تبدو هذه الحالات تسربًا معزولًا، بل خللًا أوسع في إنفاذ القيود والرقابة على حركة السلاح.
تكشف الحالتان معًا أحد أوجه اقتصاد الحرب اليمنية والإقليمية، والمتمثل في قابلية الموارد الرسمية، سواء كانت أموالًا تنموية أو أسلحةً خاضعةً للقيود، لإعادة التوجيه عند مرورها عبر بيئاتٍ رقابيةٍ ضعيفة، ووسطاء متعددين، وأسواقٍ سوداء عابرة للحدود، ففي الحالة الأولى، تبرز تساؤلاتٌ حول احتمال تسرب أموالٍ إلى شبكاتٍ عاملة داخل مناطق سيطرة الحوثيين، وفي الثانية، يظهر كيف تستطيع الأسواق السوداء استيعاب أسلحةٍ غربية الصنع وإعادة توزيعها في ساحات نزاع متعددة، من بينها اليمن.
وفي المحصلة، لا تُقاس سياسة الاحتواء بما يُعلن سياسيًا فحسب، بل بقدرتها على ضبط المسارات التي تتحرك عبرها الأموال والأسلحة بعد خروجها من القنوات الرسمية. فإذا كانت المساعدات قابلةً للتسرب عبر شبكات فساد، وكانت الأسلحة قابلةً لإعادة التوجيه عبر وسطاء إقليميين، فإن الخلل لا يكمن في الموقف السياسي المعلن وحده، بل أيضًا في هشاشة الأدوات التي يُفترض أن تترجمه إلى واقعٍ قابلٍ للضبط.
الحوثيون وحركة الشباب ومنطق المصالح المتبادلة
لا يقتصر تطور الحوثيين على تعزيز حضورهم العسكري داخل اليمن، بل يمتد إلى توسيع علاقاتهم عبر البحر الأحمر وباب المندب. فالمؤشرات المتزايدة على صلاتهم بحركة الشباب الصومالية تكشف عن سعي الجماعة إلى ربط مناطق سيطرتها بشبكاتٍ مسلحةٍ وإجراميةٍ على الضفة الأفريقية من هذا الممر البحري.
وفي تحليلٍ نشرته مجلة The National Interest، يرد أن تراجع قدرة إيران على دعم شبكتها الإقليمية دفع الحوثيين إلى تعميق صلاتهم بحركة الشباب، الفرع الصومالي لتنظيم القاعدة. ولم تعد هذه العلاقة تُقرأ بوصفها ملفًا هامشيًا ضمن الحرب اليمنية، بل باعتبارها مؤشرًا على قدرة الشبكات المسلحة المرتبطة بإيران على التكيف تحت الضغط، من خلال البحث عن مساراتٍ بديلةٍ للتمويل، والتهريب، والتنسيق.
ويستند التحليل إلى تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، التي تفيد بانتقال عشراتٍ من مقاتلي حركة الشباب، بينهم قياداتٌ ميدانيةٌ بارزة، إلى محافظتي شبوة ومأرب. ووفقًا لهذه التقارير، يشارك هؤلاء في تشغيل شبكات تهريب للأسلحة والمخدرات بين اليمن والصومال، في حين يُرجَّح وجود عناصر حوثية داخل الصومال لتدريب مقاتلي الحركة على استخدام الطائرات المسيّرة، وصناعة المتفجرات، وتكتيكات الحرب غير التقليدية.
ولا تبدو هذه العلاقة امتدادًا لتحالفٍ أيديولوجي واضح، بقدر ما تعكس تقاطع مصالح بين طرفين مسلحين يبحث كلٌّ منهما عن موارد، ومسارات، وقدراتٍ جديدة. فبالنسبة إلى الحوثيين، تتيح الصلات مع الشبكات المسلحة الصومالية الوصول إلى ممرات تهريب وبنيةٍ لوجستيةٍ على الضفة الأفريقية من باب المندب، بما يمنحهم هامشَ حركةٍ أوسع في غرب المحيط الهندي، ويفتح أمامهم قنواتٍ بديلةً في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على طهران.
أما بالنسبة إلى حركة الشباب، فتتيح هذه العلاقة لها فرصةً للحصول على أسلحةٍ أكثر تطورًا، وخبراتٍ في تشغيل الطائرات المسيّرة، وقدراتٍ بحريةً جديدة. ويشير التحليل إلى أن طائراتٍ مسيّرةً مسلحةً يُعتقد أنها نُقلت بالفعل، وأن الحركة سعت، وفقًا للتقارير، إلى الحصول على صواريخ موجهة. كما يتيح الاضطراب البحري مجالًا إضافيًا لتوليد الإيرادات عبر التهريب، أو القرصنة، أو ابتزاز شركات الشحن.
وتكشف هذه المعطيات عن بيئةٍ مسلحةٍ أكثر تعقيدًا على جانبي البحر الأحمر وباب المندب، حيث لا تتحرك الجماعات المسلحة دائمًا وفق الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية، بل وفق حسابات المنفعة والوصول إلى المال، والسلاح، والممرات اللوجستية. ومن هنا، تبدو العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب نموذجًا لتعاونٍ براغماتي بين شبكاتٍ متباعدةٍ أيديولوجيًا، لكنها تلتقي عند مصالح عملية مشتركة.
وفي الحالة الحوثية، تعزز هذه المؤشرات فكرة أن الجماعة لا ينبغي فهمها بوصفها أداةً تابعةً لقوةٍ خارجيةٍ فحسب، بل بوصفها فاعلًا قادرًا على تنويع علاقاته وفق ما تتيحه البيئة الإقليمية من فرص. ومن ثم، فإن احتواءها لا يرتبط بقطع خط دعم خارجي واحد فحسب، بل يتطلب أيضًا الحد من المسارات البديلة التي تمنحها القدرة على التكيف والاستمرار، سواء في مجال التمويل أو التهريب أو بناء شبكات التعاون الإقليمي.
البحر الأحمر كورقة مساومة: الاقتصاد الداخلي وراء التهديد الحوثي
البحر الأحمر: ورقة مساومة أكثر من كونه ساحة مواجهة
تُظهر تغطيات أواخر يونيو أن تهديد البحر الأحمر لم يعد يُفهم من زاوية باب المندب وخليج عدن فحسب، ولا بوصفه امتدادًا مباشرًا للتوتر بين إيران والغرب. فالمعطيات التي أوردتها The Maritime Executive تشير إلى أن حسابات الحوثيين باتت أكثر ارتباطًا بالضغوط الاقتصادية داخل مناطق سيطرتهم، وبمسار التفاوض مع السعودية، من ارتباطها بمجرد الاستجابة للتوجيهات الإيرانية أو استدعاء خطاب التضامن مع غزة.
ووفقًا لما أوردته المجلة، حافظت حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن على استقرارها خلال موجة التوتر الأخيرة، رغم تصاعد المخاوف الإقليمية وبدء المحادثات الإيرانية الأمريكية في سويسرا. كما أشارت إلى أن قطعًا بحريةً كانت متجهةً للمشاركة في مهمة مراقبة مضيق هرمز عبرت المنطقة دون اعتراض. وأضافت أن تياراتٍ متشددةً داخل إيران، مرتبطةً بالحرس الثوري، مارست ضغوطًا على الحوثيين لاستئناف الهجمات، إلا أن هذه الضغوط لم تنجح في دفع الجماعة إلى التصعيد.
ولا يعني هذا السلوك تراجع التهديد، بل يكشف أن الحوثيين يتعاملون معه بوصفه ورقةَ ضغطٍ قابلةً للتوظيف وفقًا للظروف السياسية. فبحسب التغطية نفسها، لا ترغب قيادة الجماعة في تعطيل مسار التفاوض مع السعودية، ولا سيما أن هذا المسار قد يفضي إلى ترتيباتٍ ماليةٍ تحتاجها مناطق سيطرتها في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وقد انعكست هذه الأزمة في تصاعد الاحتجاجات، وتزايد التذمر الشعبي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، والجوع، وانقطاع المرتبات.
غير أن ضبط وتيرة التصعيد يظل مشروطًا. ففي 25 يونيو، صعّد عبد الملك الحوثي وأحد المسؤولين البارزين في الجماعة من لهجتهما تجاه السعودية، ولوّحا بإمكانية التصعيد العسكري إذا لم تُقدَّم تنازلاتٌ إضافية، وفي مقدمتها ملف المرتبات. وتطرح الجماعة هذا الملف بوصفه مطالبةً بنحو 13 مليار دولار تمثل رواتب غير مدفوعة، أي ما يشبه فاتورةً ماليةً تراكمت على مدى سنوات الحرب.
ومن ثم، تبدو التهديدات البحرية في هذه المرحلة أقرب إلى أداةِ مساومةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ منها إلى قرارٍ بحربٍ مفتوحة. فالجماعة توظف إمكانية التصعيد الخارجي لتحسين شروط التفاوض مع السعودية، وفي الوقت نفسه لاحتواء الضغوط الداخلية المتزايدة في مناطق سيطرتها. وبهذا المعنى، يغدو البحر الأحمر جزءًا من معادلةٍ يمنيةٍ داخلية، لا مجرد ساحةٍ ينعكس عليها الصراع الإقليمي.
جنوب اليمن وإعادة توزيع النفوذ: المجلس الانتقالي تحت الضغط
يكشف تقرير نشره Al Estiklal English أن التدهور الأمني الأخير في المحافظات الجنوبية لا يعكس مجرد موجةٍ عابرةٍ من الاضطرابات، بل يشير إلى تحولٍ أعمق في موازين النفوذ داخل جنوب اليمن. فبين الانفجارات، والاغتيالات، وتحليق الطائرات المسيّرة فوق المنشآت السيادية والنفطية، تبدو الساحة الجنوبية أمام اختبارٍ جديدٍ للعلاقة المعقدة بين الحكومة اليمنية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والسعودية، والإمارات.
وتنبع أهمية التقرير من ربطه بين الانفلات الأمني وتصاعد الضغوط السياسية على المجلس الانتقالي. فمنذ مطلع عام 2026، شهدت عدن، وحضرموت، وأبين، والمكلا حوادث أمنيةً متلاحقة، من بينها انفجار مخزن أسلحة تابع لألوية العمالقة في منطقة الممدارة بعدن، ومحاولات استهداف بطائرات مسيّرة في حضرموت، وعمليات اغتيال طالت شخصياتٍ أمنيةً ومحلية. وتعزز هذه الوقائع الانطباع بأن الجنوب لم يعد يواجه تهديداتٍ أمنيةً متفرقة، بل أزمةً أعمق تتعلق بتعدد مراكز القوة وغياب سلطةٍ أمنيةٍ موحدة.
وهنا تتجلى المفارقة؛ فالتشكيلات التي قُدمت خلال السنوات الماضية بوصفها أدواتٍ لمكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن، باتت تُطرح اليوم، في خطاب الحكومة اليمنية والسعودية، باعتبارها جزءًا من المشكلة. فاستمرار القوات التابعة للمجلس الانتقالي خارج بنية الدولة، ورفض دمجها الكامل في المؤسسات العسكرية والأمنية، يجعلانها أحد العوامل الرئيسة في استمرار ازدواجية السلطة داخل الجنوب.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة اليمنية انتقلت من سياسة الاحتواء إلى مسارٍ أكثر تشددًا تجاه المجلس الانتقالي. فقد شملت الإجراءات الحكومية فرض حجزٍ تحفظي على أصول المجلس وحساباته، وإبعاد شخصياتٍ محسوبةٍ عليه من مؤسسات الدولة، وتعليق رواتب قياداتٍ عسكريةٍ مرتبطةٍ به، فضلًا عن طلب إدراج رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، وعددٍ من مساعديه على قائمة العقوبات الدولية.
ولا تبدو هذه الإجراءات قانونيةً فحسب، بل تحمل أبعادًا سياسيةً واضحة. فهي تعكس تحولًا في النظرة إلى المجلس الانتقالي؛ من شريكٍ صعب داخل إطار الشرعية إلى فاعلٍ موازٍ ينبغي الحد من نفوذه السياسي، والمالي، والعسكري. كما تكشف عن توجهٍ سعودي لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي، والحد من احتكار المجلس تمثيل الجنوب.
وفي المقابل، رد المجلس الانتقالي بتصعيدٍ سياسي وإعلامي، متهمًا السعودية بممارسة الوصاية على الجنوب، ورافضًا الإجراءات الحكومية بوصفها استهدافًا سياسيًا. كما سعى إلى استعادة حضوره الشعبي من خلال الدعوة إلى مظاهراتٍ في عدن وحضرموت، بالتوازي مع تحركاتٍ لإعادة تنظيم صفوفه عبر مكوناتٍ محلية، مثل “مؤتمر شبوة الشامل”.
أما الإمارات، فيعرضها التقرير بوصفها الطرف الأكثر تضررًا من أي تراجعٍ في نفوذ المجلس الانتقالي. فبالنسبة إلى أبوظبي، لا يمثل المجلس مجرد حليفٍ سياسي، بل أداةَ نفوذٍ استراتيجيةً في جنوب اليمن، ترتبط بالموانئ، والجزر، والمواقع الساحلية الممتدة من خليج عدن إلى البحر الأحمر. لذلك تحركت الإمارات دبلوماسيًا لاحتواء أي تصعيدٍ دولي ضد قيادات المجلس، بالتوازي مع اتهاماتٍ محليةٍ لها بتحريك أدواتٍ أمنيةٍ للحفاظ على نفوذ حليفها.
وتكشف هذه التطورات عن تصاعد التنافس السعودي الإماراتي في جنوب اليمن. فبينما تسعى السعودية إلى تقليص نفوذ التشكيلات المسلحة المستقلة، وتوحيد المؤسسات الأمنية تحت سلطة الدولة، تنظر الإمارات إلى الجنوب بوصفه ساحةَ نفوذٍ بحري واقتصادي، ولا سيما في الموانئ، والجزر، والمناطق الساحلية.
وفي المحصلة، يرى التقرير أن المجلس الانتقالي لا يواجه انهيارًا وشيكًا، لكنه يمر بأخطر اختبارٍ سياسي وأمني منذ تأسيسه. فقد تراجعت قدرته على احتكار تمثيل الجنوب، مع صعود قوى جنوبيةٍ منافسة، وتصاعد الضغوط الحكومية والسعودية. وقد تدفعه المرحلة المقبلة إلى أحد ثلاثة مسارات: الاندماج في مؤسسات الدولة، أو التحول إلى قوةٍ محدودة النفوذ، أو التصعيد بما يزيد من هشاشة الجنوب ويهدد ما تبقى من رصيده السياسي.
المصادر:
- 1. Welt am Sonntag : GIZ im Jemen: Der „systematische bandenmäßige Betrug“ und das Schweigen des Vorstands https://www.welt.de/politik/deutschland/plus6a34e51daf14c0b52895f40e/giz-im-jemen-der-systematische-bandenmaessige-betrug-und-das-schweigen-des-vorstands.html
- 2. RT / Republished : Did Germany’s corrupt aid agency fund the Houthis? https://www.bignewsnetwork.com/news/279145711/did-germanys-corrupt-aid-agency-fund-the-houthis
- 3. CBC News / Visual Investigations : We talked to arms dealers illegally selling guns
https://www.youtube.com/watch?v=6ZBXbOsWgco - 4. Anadolu Agency — relaying CBC report: Canadian-made sniper rifles appear in embargoed conflict zones: Report https://www.aa.com.tr/en/americas/canadian-made-sniper-rifles-appear-in-embargoed-conflict-zones-report/3972385
- 5. Reuters: Reporter for Saudi Arabia’s Al Arabiya TV killed by car bomb in Yemen https://www.reuters.com/business/media-telecom/reporter-saudi-arabias-al-arabiya-tv-killed-by-car-bomb-yemen-2026-06-25/
- 6. The National Interest : Why the Houthis and Al-Shabaab Might Be Growing Closer https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/why-the-houthis-and-al-shabaab-might-be-growing-closer
- 7. The Jerusalem Post : How Houthis militarized Ibb province in Yemen into their armed camp — analysis https://www.jpost.com/middle-east/article-899723
- Al Estiklal English – Security Turmoil and the Reshaping of Southern Yemen: What Uncertain Future Lies Ahead for the Southern Transitional Council? https://www.alestiklal.net/en/article/security-turmoil-and-the-reshaping-of-southern-yemen-what-uncertain-future-lies-ahead-for-the-southern-transitional-council
ظهرت المقالة اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.