عام على الجريمة التي حوّلت معلم القرآن اليمني البعيد عن الأضواء إلى أيقونة نضال
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” محمد الجعماني: عام على حادثة اغتيال معلم القرآن اليمني الشيخ صالح حنتوس، فيما لا تزال تفاصيل الجريمة التي هزّت اليمن حاضرة في ذاكرة اليمنيين، بوصفها واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل خلال العام الماضي.

قتل حنتوس داخل منزله في منطقة نائية بمديرية السلفية في محافظة ريمة (وسط اليمن) عقب حصار مسلح استمر لساعات وانتهى بمقتله وإصابة زوجته، واعتقال عدد من أفراد أسرته بعد الحادثة.

كان حنتوس معروفاً على مستوى محافظته ريمة، وظل يكافح فيها يعلم القرآن، ويربي الأجيال الصاعدة على كتاب الله، لا هم له سوى ذلك.. لم يكن معروفاُ للإعلام، وليس له باعاً في السياسة.

الأسبوع الأخير من حياة حنتوس هو الذي أخرج هذا الشيخ السبعيني “المغمور” من مخبئه.. حوله إلى رمز؛ إلى أيقونة نضال وصمود للأجيال بوجه البطش والظلم كما يقول اليمنيون.

حصار انتهى بالاغتيال

في الأول من يوليو 2025، حاصرت عناصر تابعة للحوثيين منزل الشيخ صالح حنتوس في مديرية السلفية بمحافظة ريمة، بعد تطويق المنطقة بمسلحين وآليات عسكرية، قبل أن تتطور الأحداث إلى إطلاق نار كثيف استهدف المنزل ومحيطه، وانتهى بمقتل الشيخ داخل منزله.

ووفق مقربين وشخصيات سياسية وحقوقية، فقد رفض الشيخ مغادرة منزله أو تسليم نفسه، مؤكدًا أنه لم يرتكب جريمة تستوجب كل ذلك الحشد العسكري.

وبعد مقتله، منعت زوجته فاطمة غالب المسوري من تلقي الإسعافات الأولية رغم إصابتها، فيما اعتُقل عدد من أفراد الأسرة، قبل إحالتهم لاحقاً إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في الحديدة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة.

القضية في الواجهة مجدداً

ومع حلول الذكرى الأولى، عاد ملف القضية إلى الواجهة مجدداً بعد تداول تسجيل صوتي لمكالمة هاتفية جرت قبل مقتل الشيخ بساعات بينه وبين القيادي بجماعة الحوثي فارس الحباري، الذي كان يشغل منصب محافظ ريمة لدى سلطات الجماعة.

وأظهر التسجيل الشيخ صالح حنتوس وهو يخاطب الحباري بهدوء قائلاً إنه لم يرتكب جريمة، ولم يقطع طريقًا، ولم يقتل أحدًا، متسائلًا عن سبب حصاره وإطلاق النار عليه حتى داخل المسجد.

كما تضمّن التسجيل تهديدات مباشرة، إذ أصر المسؤول المعين من الحوثيين على مطالبته بتسليم نفسه، مع توجيه عبارات قاسية بحقه، في مشهد اعتبره كثيرون دليلًا على أن خيار القوة كان حاضرًا منذ البداية، وأن محاولات الحل السلمي لم تحظ بالاستجابة.

وقد أعاد التسجيل فتح النقاش حول ملابسات الحادثة، باعتباره وثيقة تُظهر جانبًا من الحوار الذي سبق المواجهة، وأسهم في تجدد المطالبات بإجراء تحقيق مستقل في القضية.

إلى رمز للصمود

عرف سكان محافظة ريمة الشيخ صالح حنتوس لعقود بوصفه معلمًا للقرآن الكريم ومربيًا للأجيال، كرّس حياته للتعليم والإصلاح المجتمعي، بعيدًا عن الصراعات.

الدكتور عبدالله قاسم المسوري – رفيق درب حنتوس كتب لـ”يمن ديلي نيوز” ملخصاً حياة رفيقه قائلاً: الشيخ صالح حنتوس مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة القرآن الكريم، في جبال محافظة ريمة الشاهقة، برز اسم الشيخ صالح أحمد عبد الله حنتوس كواحد من أبرز رواد التعليم القرآني.

لم تكن مسيرته مجرد رحلة عالم دين تقليدي، بل كان مشروعاً نهضوياً متكاملاً لمواجهة الجهل والخرافة، انتهى بتقديم روحه ثمناً لثباته على مبادئه في وجه المليشيات المسلحة.

ولد الشيخ في قرية البيضاء بمديرية السلفية في نحو عام 1953م، ونشأ في أسرة فلاحية متدينة. وفي أواخر الستينات، أدرك أن بيئته تفتقر إلى التعليم المنهجي الرصين، فاتخذ قراراً جريئاً بالهجرة إلى مكة المكرمة بحثاً عن العلم الشرعي.

هناك، التحق بدار الحديث في الحرم المكي، حيث حفظ القرآن الكريم وتعمق في دراسة العلوم الشرعية، ليعود لاحقاً إلى وطنه حاملاً مشروعاً تنويرياً يسعى لتبديد الجهل الذي خلفته العهود السابقة، معززاً مسيرته بحصوله على درجة الليسانس من كلية الآداب بجامعة صنعاء.

لم يعد الشيخ حنتوس إلى ريمة ليستريح، بل عاد ليؤسس بنية تعليمية متينة، حيث تجلت إسهاماته البارزة في خدمة القرآن الكريم والمجتمع في نقاط مضيئة تمثلت في:

• شارك في مطلع الثمانينات في تأسيس “معهد النور العلمي” إلى جانب رفيق دربه الشهيد سعد الحميني، والذي مثّل انطلاقة معرفية لتعليم القرآن والعلوم الشرعية في المنطقة.

• تولى إدارة مدارس تحفيظ القرآن الكريم التابعة لوزارة التربية والتعليم في محافظة ريمة، وعمل بجهد على تطويرها إدارياً وتربوياً لتكون منارات للعلم والخلق.

• أسس وأدار “دار الفرقان” لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم العلوم الشرعية، والتي أصبحت محضناً تربوياً بارزاً يستقطب الطلاب من مختلف الفئات لتعلم وحفظ كتاب الله.

• أسس فرع الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم بمحافظة ريمة عام 2005م ، وتولى منصب الأمين العام فيها.

• أشرف من خلال مظلة الجمعية على افتتاح عشرات الحلقات القرآنية في مختلف القرى والعزل، وعمل على اعتماد المعلمين، وتنظيم مسابقات التنافس والتكريم لحُفاظ القرآن الكريم.

• كان يبذل من ماله الخاص لدعم الطلاب والحلقات القرآنية، ويتابع شؤونهم بنفسه لضمان استمرارهم في التحصيل العلمي.

ويواصل المسوري شارحاً لـ”يمن ديلي نيوز” محطات من حياة رفيق دربه “حنتوس” قائلا: طريق الشيخ المصلح لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد اصطدم مشروعه التعليمي المستقل بمشاريع أيديولوجية مسلحة على مر العقود، مقدماً تضحيات جسيمة في سبيل مشروعه القرآني تمثلت في الآتي:

• تعرض لتضييق ممنهج من قبل ميليشيا الحوثي التي استهدفت المدارس القرآنية، وأغلقت فرع جمعية القرآن الكريم، وسيطرت على مبانيها، ولاحقت الكثير من معلميها.

• رفض المساومة أو الخضوع للمشاريع الطائفية، ورفض تسييس دار الفرقان أو ربطها بأي طرف، مفضلاً البقاء كداعية مستقل.

• عندما اشتد الخناق على مؤسساته، تحدى الظروف وحوّل منزله، بمساندة زوجته، إلى قلعة قرآنية تدار فيها الدروس وتُراجع فيها المصاحف.

• قدم التضحية الكبرى بروحه، حيث اقتحمت عناصر ميليشيا الحوثي منزله في 2 يوليو 2025م، فقاومهم رافضاً الفرار أو المساومة، وتم إعدامه ميدانياً برصاص الغدر أمام مرأى زوجته وهو يدافع عن دعوته وبيته.

• حُرم جثمانه من التشييع الذي يليق بأهل القرآن، حيث فُرض على جنازته الحصار والمراقبة، ودُفن على عجل خشية أن يتحول وداعه إلى غضب شعبي يفضح الجريمة.

من جانبه المعتصم بالله السلفي – أحد طلاب “حنتوس” – يقول: كان الشيخ صالح حنتوس رحمة الله عليه مربياً فاضلاً، وأباً باراً لنا نحن حفظة كتاب الله، بل خادماً لنا ومذللاً كافة الصعاب أمامنا.

وأضاف لـ”يمن ديلي نيوز”: أفنى الشيخ حنتوس عمره في هذا العمل المرتبط بكتاب الله عز وجل وتوعية أبناء المسلمين عامة وأبناء مديرية السلفية خاصة. وكانت تعلو أصواتنا بترتيل كتاب الله وحب كل الأعمال التي تقربنا إلى الله انطلاقاً من روح القرآن وعلومه.

وأردف: كان الشيخ صالح معنا بشوشاً، متسامحاً ومتواضعاً بمنزلة الأب ونعم المدرس ونعم الرفيق. كان رحمة الله عليه يحفزنا ويشجعنا ويوصينا بالدعوة إلى الله، وأن لا نجعلها تتوقف عنده ولا عندنا ولكن فلتعم كل الأرجاء وأن لا ندع فرصة للأفكار الدخيلة أن تنال من ديننا وأمتنا وشعبنا وهويتنا”.

وتابع: حادثة مقتله جعلت اسمه يتجاوز حدود محافظة ريمة، ليصبح رمزاً وطنياً ارتبط بالثبات على المبدأ، فيما تحولت وصاياه الأخيرة إلى مادة يتداولها اليمنيون في الذكرى الأولى لاستشهاده، باعتبارها رسالة تدعو إلى الصبر والثبات والتمسك بالقيم.

لم تغب عن المشهد

اليوم وبعد عام من مقتله يرى متابعون أن القضية لم تعد مجرد حادثة محلية، بل أصبحت من أبرز الملفات التي استُحضرت عند الحديث عن الانتهاكات المرتبطة بالحرب في اليمن، لما حملته من أبعاد إنسانية واجتماعية وسياسية.

فقد أحيا اليمنيون ذكرى مقتله بشكل واسع مستذكرين حادثته التي هزت الرأي العام المحلي والعربي، ولقيت تنديداً تجاوز حدود اليمن.

فتحت وسم #شهيدالقرآنصالح_حنتوس نشر المئات من اليمنيين على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات متنوعة استذكرت مسيرة حنتوس، كما استذكرت الجريمة.

عزام محمد في حسابه بمنصة إكس نشر فيديو لغرفة صالح حنتوس معلقاً بالقول: هذا المشهد ليس من #غزة… بل من محافظة #ريمة اليمنية. بكاء هذه المرأة يدمي القلب.

ويضيف: الفيديو من داخل غرفة الشيخ صالح حنتوس، شيخ سبعيني أمطروه الحوثيون بوابل من الرصاص، وكأنهم يحاربون جيشاً لا رجلاً مسناً في بيته.

مردفا: بعد مرور عام على استشهاده، لا يزال اسم الشيخ صالح حنتوس حاضراً بقوة في الذاكرة اليمنية، وتبقى قضيته واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في المشهد الوطني.

ونشر هائل البكالي تسجيلاً لمكالمة القيادي بجماعة الحوثي فارس الحباري بالشيخ صالح حنتوس قبل مقتله معلقاً بالقول: لم يحمل الشيخ صالح حنتوس سلاحًا ليصنع نفوذًا، بل حمل القرآن ليبني الإنسان.

وأردف: لهذا رأت فيه مليشيا الحوثي خطرًا على مشروعها، فحاصرته وقتلته، لكنها لم تستطع إسكات رسالته. وبعد عام من استشهاده ما زال اسمه حاضرًا في وجدان اليمنيين رمزًا للثبات والكرامة.

ظهرت المقالة عام على الجريمة التي حوّلت معلم القرآن اليمني البعيد عن الأضواء إلى أيقونة نضال أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية