تحولت المكالمة التي جرت بين الشهيد صالح حنتوس، قبل استشهاده أثناء حصاره في منزله، والقيادي الحوثي فارس الحباري، إلى وثيقة وطنية تختزل صراعًا بين الكرامة والذل، والحرية والعبودية، بل إلى محاكمة تاريخية للطغيان ستبقى في ذاكرة الأجيال.
لم يكن الشيخ يدافع عن حياته بقدر ما كان يدافع عن قناعته وكرامة اليمنيين.
كان يردد: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ويقول بثبات: "سأكون خصمك يوم القيامة". كلمات لم تكن لتؤثر في خصومه، لكنها كشفت الفارق بين منطق القرآن ومنطق القوة والغلبة، وهو ما أبرزه الشيخ حين سخر من شعار "المسيرة القرآنية" التي تسفك الدماء البريئة في الأشهر الحرم، فلم يكن الرد إلا التهديد بحياته وأسرته.
ظهر الشيخ ثابتًا رابط الجأش، لا يستجدي النجاة، بل يسجل موقفًا للتاريخ، وأثبت أنه لم يقاتل أحدًا، وإنما اعتصم في بيته، وقال: "أنا في بيتي، لم أرتكب جرمًا... وإذا كنتم دولة فاذهبوا إلى النيابة وأحضروا أمرًا بموجب القانون."
وكانت تلك إدانة صريحة لمن يدعون الدولة وهم يمارسون البلطجة.
وحين طُلب منه ألا يهرب وأن يسلم نفسه، ارتفع صوت زوجته المرابطة معه: "نحن لا نهرب، لسنا في أمريكا، نحن في بيتنا." وكأنها وزوجها هنا يعيدان موقف ومقولة عمر المختار: (نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت).
صورة لأسرة ثبتت على موقفها وتمسكت بالله حين سقطت كل الضمانات البشرية، حيث تلاشت حبال الطغيان وغاب تأثير السحر والسحرة على أرواحهم.
لقد أدرك الشهيد أن الموقف قد يكون آخر ما يملكه الإنسان، فاختار أن يورث الأجيال مثالًا في الكرامة والثبات، وأن يزرع بذرة كرامة ويغرس سنبلة حرية تنبت ألف سنبلة، وأرى في لحظة محاولة دهس الكرامة وخنق الحرية أن الموقف الحنتوسي العظيم يكرر مقولة وموقف الشهيد جمال جميل قبل إعدامه:
"حبلناها وستلد."
فالأوطان التي تنجب رجال المواقف لا تعجز عن إنجاب غيرهم، ودماء الشهداء تبقى لعنة تطارد الظالمين حتى يسقطوا تحت ثقل ظلمهم.
رحم الله الشيخ الثائر، شهيد القرآن، صالح حنتوس.