قصة صحفية أعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي: قال لهم: لماذا أنا هنا؟ فباشروه بالضرب بأعقاب البنادق، وقالوا له: من أين أنت وما عملك؟ وحينما أخبرهم أنه صحفي ومن تعز، جاء ردهم بسخرية وانتقام من تعز وأهلها، قائلين له: إنك من تعز، وهذه تهمة كافية لاعتقالك، وأن تكون صحفياً ومن تعز، فذلك يستوجب الإعدام.
ابن تعز، الصحفي محمد الصلاحي، سجين الأمس وخريج اليوم، كان قد انتهى من دراسة المستوى الثالث صحافة بجامعة الحديدة قبل أن يختطفه الحوثيون يوم 20/10/2018م من مركزه الإعلامي دون أي مبرر ولا تهمة، وألقوه في السجن سنين عدداً.
بداية المأساة
تبدأ مأساة الصلاحي من لحظة مداهمة مركز “ميجا بكسل” الذي أسسه مع زميله بلال العريفي، ومصادرة جميع معداته وأجهزته، المقدر قيمتها بنحو 25 ألف دولار، وحرمانه من استكمال دراسته الجامعية في قسم الصحافة والإعلام بجامعة الحديدة، بعد أن كان على أعتاب التخرج.
يقول الصلاحي في تفاصيل المأساة “عندما اقتادونا من المركز قالوا إنها إجراءات أمنية، وإننا سنعود في الصباح، ومضى الصباح الأول، ثم الثاني، ثم غابت الأيام، ولم أخرج إلا بعد خمس سنوات”.
ليلة امتدت إلى خمس سنوات عجاف، قضى منها سبعة أشهر لم تعرف أسرته أين اختفى، وظل والده ينتقل بين السجون ومقار الاحتجاز بحثاً عن أي خبر يطمئنه عن فلذة كبده، ويعود خالي الوفاض في كل مرة، فصلى عليه والده صلاة الميت الغائبة بعد أن فقد الأمل بالعثور عليه.
لم تسمح له جماعة الحوثي – كما يقول الصلاحي – بإجراء أي اتصال إلا بعد دفع خمسين ألف ريال لأحد أفراد الحراسة مقابل دقائق معدودة عبر هاتفه الشخصي.. حاول في تلك الدقائق أن يطمئن أسرته، مخفياً عنهم ما يعيشه داخل الزنازين.
خمس سنوات عجاف
بدأت رحلة التنقل بين السجون من شقة أرضية تستخدم معتقلاً سرياً في الحديدة. دخل غرفة التحقيق معصوب العينين، مقيد اليدين إلى الخلف. امتدت الجلسة حتى ساعات الفجر الأولى.
انهالت عليه الأسئلة والشتائم واللكمات، ثم بدأت قائمة الاتهامات.
قال لهم إنه صحفي، وإن عمله يقتصر على إدارة مركز إعلامي ينتج الأفلام والقصص الإنسانية والتصاميم، ولكنهم لم يجدوا في إجاباته ما يريدون سماعه، فازدادوا عليه قسوة.
كان المحققون يبحثون عن اعترافات جاهزة. أرادوا أسماء وعلاقات واتصالات مع قيادات عسكرية وسياسية. أنكر ما نسب إليه، فصار الإنكار سبباً لجولات جديدة من التعذيب، والمطالبة بالاعتراف بتهم لا يعرف عنها شيئاً، ويعيدون الأسئلة ذاتها كل ليلة، أملاً في أن ينتزع الألم ما عجزت الأدلة عن إثباته.
بعد خمسة وثلاثين يوماً، نقل من الحديدة إلى صنعاء. قيدوا يديه، وعصبوا عينيه، ووضعوه تحت البطانيات في صندوق طقم عسكري حتى يفقد الإحساس بالاتجاه والطريق، وما إن وصل إلى سجن الأمن والمخابرات في حدة، حتى بدأت المرحلة الأشد قسوة من التعذيب.
أدخلوه إلى زنزانة انفرادية “ضغاطة”، وهي مساحة ضيقة لا تسمح للجسد بالاسترخاء، ولا تمنح العقل فرصة لالتقاط أنفاسه. ظل فيها أشهراً طويلة، لا يخرج إلا إلى غرفة التحقيق، ثم يعود إليها من جديد محملاً بالألم.
يستعيد تلك الأيام قائلاً: “كنت أعلق من يدي إلى السقف من التاسعة مساءً حتى الثالثة فجراً. لا يلامس الأرض سوى مشط القدم. كنت أطلب جرعة ماء فلا أجد سوى بقايا طعامهم ومخلفات مقيلهم. وعندما يفكون القيود أسقط على الأرض، وأشعر أن جسدي كله فقد قدرته على الاحتمال”.
يضيف سارداً حكايته لـ”يمن ديلي نيوز”: “تعرضتُ للصعق الكهربائي، والضرب بالكيبلات، والركل، والتهديد المستمر بالإعدام. أصبتُ بتورم في الخصيتين استمر أشهراً بعد تعرضي للضرب عليهما أثناء التحقيق، وبقي الألم يرافقني زمناً طويلاً، وما زالت آثار تلك الإصابات حاضرة حتى اليوم”.
لم يقتصر التعذيب على الجسد. كان الحراس ينادون اسمه أثناء الليل. يقف أمام باب الزنزانة منتظراً ما سيحدث، فيقول له أحدهم: “عظم الله أجرك”، ثم يغلق الباب وينصرف. تتكرر العبارة أياماً وأسابيع. كان الهدف كسر ما تبقى من طمأنينته، وإشعاره أن الموت ينتظره في أي لحظة.
سبعة سجون
انتقل بين سبعة سجون ومعتقلات. في كل محطة تبدأ التحقيقات من جديد، وتعود الاتهامات نفسها. إحدى وعشرون تهمة وجهت إليه، من بينها التخابر، والتجسس، والعمل لصالح التحالف، وإدارة مركز استخباراتي. ولم يقدم الادعاء دليلاً واحداً يثبت تلك المزاعم.
المحاكمة وأثر التعذيب
بعد أكثر من أربع سنوات من الاعتقال بدأت محاكمته داخل السجن. جلسات سرية، دون حضور محاميه، ودون ضمانات قانونية.
صدر قرار بالإفراج عنه بعد الاكتفاء بالمدة، غير أن القرار بقي معلقاً عاماً آخر. وعندما خرج أخيراً في الأول من يوليو 2023، أجبر على توقيع تعهد يفرض عليه إبلاغ سلطات الحوثيين بتحركاته، وعدم مغادرة مناطق سيطرتهم إلا بعد إشعار مسبق.
خرج إلى الحياة مثقلاً بسنوات السجن. حمل معه آلاماً مزمنة في المفاصل والعمود الفقري والقدمين، واضطرابات نفسية، وكوابيس توقظه من النوم، وفقداناً للرغبة في العمل، بحسب شهادته.
الانتقال إلى تعز
بعد ثمانية وعشرين يوماً فقط من خروجه، تلقى اتصالات من جهاز الأمن والمخابرات تطالبه بالعودة لاستكمال الإجراءات. أعقب ذلك حملة هدفت إلى إعادته إلى السجن، فاضطر إلى الفرار نحو مدينة تعز، تاركاً أسرته خلفه، باحثاً عن مكان آمن يبدأ منه حياة جديدة.
بدأ الصلاحي من جامعة تعز إكمال مشواره التعليمي، والتحق فيها طالباً في المستوى الثالث صحافة، ولكنه اصطدم بواقع آخر بخلاف ما كان يرسمه في رأسه بعد أن وصل إلى تعز.
لم يحصل على علاج طبي متخصص، ولا سفر للخارج، ولا برامج لإعادة التأهيل، وحتى الأصوات التي طالبت بالإفراج عنه أثناء الاعتقال غابت بعد خروجه، وترك يواجه آثار التجربة وحيداً، بينما كان يحاول إعادة بناء حياته بإمكانات محدودة، ومواصلة عمله الصحفي إيماناً منه بأن الرسالة التي حملها قبل الاعتقال ما زالت تستحق الاستمرار.
ضغوطات مستمرة
وبالرغم من أن ضغوطات الحوثيين ما زالت تلاحقه إلى الفترة القريبة الماضية، لم يزل يتلقى اتصالات متكررة من جهاز الأمن والمخابرات في مناطق سيطرة الحوثيين، ورسائل تطالبه بالتوقف عن النشاط الصحفي، وتحذيرات موجهة إلى أسرته.
امتد الضغط إلى محيط العائلة، حيث تعرض والده وإخوته لاستدعاءات وضغوط بهدف دفعه إلى التوقف أو العودة، ما انعكس على علاقته بأسرته، وزاد من عزلته.
في هذه المرحلة تدهورت حالته النفسية من جديد. عاد القلق بصورة أشد، وتفاقم الإحساس بعدم الاستقرار، مع غياب مصدر دخل ثابت، وصعوبة في تأمين سكن مستقل، وانقطاع شبه كامل لأي دعم مؤسسي مستمر.
تحت هذا الثقل، راودته أفكار بالعودة إلى مناطق سيطرة جماعة الحوثي وتسليم نفسه، هرباً من ضغط متعدد الاتجاهات، بين تهديد خارجي، وضيق داخلي، وعجز معيشي ممتد.
خريج برسالة عاجلة
في مثل هذا اليوم 1 يوليو/تموز 2023 كان يوم خروجه من المعتقل، لكنه اليوم يحتفي بحصوله على الحرية بعد افكاك أغلال الحوثيين، وإكمال تعليمه الجامعي.
اليوم يحتفي الصلاحي بتخرجه من شعبة الصحافة بجامعة تعز ضمن دفعة “استعادة الجمهورية”، الدفعة التاسعة إعلام، بعد 11 عاماً من التخصص، قضى ثلاثة منها في جامعة الحديدة، وخمسة في سجون جماعة الحوثي الإرهابية.
يؤكد الصلاحي أنه يؤمن بتخصصه الذي عشقه، وبالكلمة كجزءٍ من المعركة الوطنية لاستعادة الدولة من قبضة الحوثيين، ويحمل تطلعات كثيرة وآمالاً بالتمكين، ويوجه رسالته لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة والجهات المعنية بتحمل مسؤولياتهم تجاهه، وعدم التهرب من الواجب.
يعد الصلاحي نموذجاً قوياً للصمود، وشاهداً حياً على جرائم الحوثيين وممارساتهم بحق المعتقلين، وخاصة معتقلي الرأي والصحفيين.
ظهرت المقالة الصحفي “المحرر” محمد الصلاحي خريجاً بعد رحلة جامعية امتدت 11 عاماً أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.