مقدمة
تُجسّد “قوات التعبئة العامة” الحوثية تحولاً استراتيجياً من آلية تجنيد مؤقتة إلى مؤسسة عقائدية موازية تحاكي نموذج “الباسيج” الإيراني بهدف عسكرة المجتمع؛ ويأتي إعلان جهوزيتها الفورية في 22 يونيو 2026 مدفوعاً بأزمات الجماعة الداخلية وطموحاتها التفاوضية والجيوسياسية المرتبطة بمحور طهران، مما يُرجّح سيناريو التصعيد العسكري المحدود، في حين تظل المواجهة الشاملة خياراً مكلفاً ومعقداً يمليه التشابك الإقليمي الراهن.
أولاً: السياق التاريخي ومرحلة ما قبل التأسيس الرسمي
تعود جذور “التعبئة العامة” إلى البنية التنظيمية الأولى لجماعة الحوثي في صعدة، حيث استبدلت الجماعة المفهوم التقليدي للقوة بمفهوم “عسكرة المجتمع والقبيلة” عبر التلقين العقائدي؛ وهي آليات تبلورت مبكراً في المساجد والمراكز الصيفية لتُشكّل النواة التعبوية الصلبة خلال الحروب الست (2004–2010).
وشكّل إعلان التعبئة العامة في مارس 2015 استجابة طارئة ومؤقتة للتصعيد الداخلي ثم لمواجهة تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية؛ إذ افتقرت حينها للمأسسة والبرامج التدريبية المقننة. إذ هدفت إلى توجيه رسائل سياسية للداخل والخارج بدلاً من كونها خطوة عملية منظمة ومستدامة.
وفي مرحلة الحرب (2015-2023) عملت الجماعة على بناء بنية تعبوية مستدامة واحترافية بالاستعانة بخبرات الحرس الثوري الإيراني لمحاكاة نموذج “الباسيج”، حيث ارتكزت هذه المرحلة على ثلاثة مسارات استراتيجية: إعادة تأطير هياكل الجيش اليمني السابق أيديولوجياً، وإنشاء شبكة واسعة من مراكز التدريب ذات البرامج الموحدة جغرافياً، فضلاً عن دمج منظومة التعبئة بالبنية القبلية التقليدية؛ مما أمّن للجماعة امتداداً اجتماعياً عميقاً وحصانة هيكلية وعملياتية يصعب تفكيكها.
ثانياً: التحول الجذري – من أكتوبر 2023 إلى يونيو 2026
وشكّل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023 منعطفاً استراتيجياً وفّر لجماعة الحوثي غطاءً سياسياً وعقائدياً لإطلاق حملات تحشيد وتجنيد غير مسبوقة تحت شعار “طوفان الأقصى”، ساعية بذلك لتحقيق هدفين متزامنين: بناء شرعيتها الشعبية محلياً وإقليمياً، وتأطير احتياط بشري عسكري ضخم تحت لافتة القضية الفلسطينية، وقد تبلور هذا التحول عملياً بحلول ديسمبر 2023 عبر تنظيم أول عرض عسكري موسع في صنعاء لأكثر من 16 ألف مقاتل من خريجي “الدورات العسكرية المفتوحة”، ما مثّل تدشيناً لطور جديد من التنظيم والمأسسة لقوات التعبئة العامة.
جسدت “قوات التعبئة العامة” الحوثية تحولًا استراتيجيًا من آلية تجنيد مؤقتة إلى مؤسسة عقائدية موازية تحاكي نموذج “الباسيج” الإيراني، بهدف عسكرة المجتمع وتحويل التعبئة إلى بنية دائمة تخدم المشروع العسكري والسياسي للجماعة.
وبين عامي 2025 ومنتصف 2026 شهدت “قوات التعبئة” قفزة نوعية تمثلت في التراكم العددي والتطبيع المؤسسي، حيث روجت الجماعة لأرقام استعراضية بوصول عدد المتدربين إلى أكثر من مليون متدرب، بالتزامن مع التمدد الأفقي للمناورات والأنشطة لترسيخ التعبئة كمنظومة محلية متجذرة على مستويات المحافظات، والمديريات، والعزل والقرى. وتوّج هذا المسار ببيان 22 يونيو/حزيران 2026 الذي أحدث المنعطف الاستراتيجي الأبرز، ناقلاً القوة من مرحلة “التحشيد الرمزي لفلسطين” إلى مرحلة الجاهزية العملياتية المفتوحة لرفد القوات التابعة للجماعة في أي مسرح قتالي تختاره القيادة في جبهات القتال الداخلية.
ولا يُعد التوظيف الداخلي لقوات التعبئة سابقة؛ إذ تُعدّ واحدة من الأذرع الأمنية والاستخباراتية للجماعة لقمع المعارضين وتخوينهم، كما حدث سابقاً في ملاحقة المحتفلين بثورة 26 سبتمبر ومراقبة تحركات حزب المؤتمر الشعبي العام، فضلاً عن كونها المحرك الأساسي للفعاليات والتحشيد الأيديولوجي والميداني في مختلف المديريات والقرى.
ثالثاً: الهيكل التنظيمي والقيادات
تتكامل منظومة الحوثيين العسكرية والأمنية عبر ثلاثة مكونات رئيسية متداخلة تشكل قوات التعبئة العامة ركيزتها الثالثة باعتبارها الذراع الشعبية والمجتمعية غير النظامية للجماعة، وتتمايز بارتباطها المباشر بالقيادة الدينية والسياسية خارج التراتبية العسكرية التقليدية، لتتكامل وظيفياً مع المكونين الآخرين المتمثلين في القوات المسلحة النظامية—التي تضم الوحدات المعاد تأطيرها من الجيش اليمني السابق وقوات النخبة والأجهزة الاستخباراتية—والأجهزة الأمنية الموازية
لا تنشر الجماعة رسمياً هيكلاً تنظيمياً لقياداتها، لذلك فإن أي عرض بنيوي يعتمد في الأساس على الأنشطة والاجتماعات أو معلومات داخلية غير رسمية، وما يظهر بوضوح أن التعبئة العامة تعمل في مثلث قيادة: قيادة ثورية عليا ممثلة بعبدالملك الحوثي وتتبع “مكتب السيد” (مكتب زعيم الجماعة)؛ قيادة تنفيذية/تنظيمية داخل وزارة الدفاع التابعة للجماعة؛ وامتدادات ميدانية في المحافظات والقطاع الرسمي والجامعات والقبائل، مع صلات وثيقة بقطاع الأمن والاستخبارات والغرفة المشتركة والقيادات العسكرية المناطقية.
ويكشف تحليل هيكلي لشبكة القيادة والسيطرة الخاصة عن تنظيم إداري وميداني هرمي شديد الإحكام؛ يتدرج نزولاً من القيادة العليا ومشرفي القطاعات إلى مسؤولي التعبئة على مستويات المحافظات ثم المديريات، وصولاً إلى أضيق النطاقات المحلية المتمثلة في “العُزل” والقرى. يملك هؤلاء المسؤولون في التعبئة الصلاحيات الأكبر والأوسع في أماكن نشاطهم (تفوق صلاحية الوزير في الحكومة والمحافظ وعلى مستوى المحافظة) وتمنح هذه الهندسة الشبكية المتسلسلة الجماعة قدرة استثنائية على السيطرة اللامركزية والتحشيد البشري السريع، مما يضمن لها تغطية جغرافية شاملة تتيح تحويل أي محيط محلي إلى ساحة نشطة لتنفيذ المناورات، والمسيرات، والدورات العسكرية المفتوحة بكفاءة ومرونة عاليتين.
من ناحية القيادة لا يوجد اسم معلن رسمياً من الجماعة يحدد من يقود هذه القوات، وتشير عدة مصادر إلى “قاسم الحمران” قائد قوات الدعم والاسناد (تأسست في 2020) والتي تتبع مباشرة عبدالملك الحوثي، وتشير المصادر أيضاً أن شقيقه “عبدالرحيم قاسم الحمران” رئيس لجنة الحشد والتعبئة، يتولى دوراً قيادياً، وكذلك تتولى بشرى بدر الدين الحوثي شقيقة زعيم الجماعة، قيادة الهيئة النسائية وتؤدي دوراً محورياً في التعبئة الأيديولوجية للمرأة.
كما يُعدّ ناصر اللكومي (رئيس دائرة التعبئة العامة بوزارة الدفاع التابعة للجماعة منذ 2022) الحلقة المركزية الأبرز للربط بين الحشد المجتمعي والقيادة العسكرية والأمنية؛ إذ يتولى التنسيق الميداني والإشراف على العروض والتعبئة في المحافظات، مستنداً إلى دعم مؤسسي وقبلي متكامل. إن الظهور المتكرر لرموز الاستخبارات والأمن والعمليات المشتركة—مثل علي حسين الحوثي، وصادق المقراني، وحسن المراني، وحسين الضيف—برفقة اللكومي، يؤكد أن التعبئة العامة ليست جهازاً معزولاً، بل باتت مدمجة هيكلياً ضمن منظومة تنسيق عسكري وأمني واستخباري أوسع لإدارة المجهود الحربي الحوثي.
رابعاً: بيان يونيو 2026 ودلالاته
كرّس البيان الرسمي الصادر عن “قوات التعبئة العامة” في 22 يونيو 2026—بالتزامن مع خطاب عبد الملك الحوثي بمناسبة العام الهجري الجديد 1448 الذي توعد بعودة الحرب —التحول العملياتي والنوعي لهذه القوات نحو الجهوزية الفورية لرفد الجبهات، مبرزاً عدة أبعاد استراتيجية؛ إذ أعلن “الاستجابة الكاملة” لدعوة عبدالملك الحوثي، و”الجهوزية الكاملة والفورية” لرفد الجيش بالمقاتلين “في أي زمان ومكان” تحدده القيادة، وقال إن القوة المدربة والمسلحة والمشكلة في قوات التعبئة بلغت “مئات الآلاف” و”مئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية”. مؤكداً الارتباط العضوي بمحور طهران والالتزام الإقليمي بمعادلة “وحدة الساحات”.
يمثل بيان 22 يونيو 2026 انتقال قوات التعبئة من مرحلة “التحشيد الرمزي” إلى مرحلة الجاهزية العملياتية، بما يتيح للجماعة توظيفها في أي جبهة قتال وفقًا لقرارات القيادة.
يُمثّل البيان توسيعاً مقصوداً “لمسرح الشرعية التعبوية”؛ فبعد تركيز خطابي مكثف للتعبئة على ملف غزة والبحر الأحمر منذ أواخر 2023، أعاد بيان يونيو 2026 ربط التعبئة بالمحددات المحلية (مثل إنهاء الحصار واستعادة الثروات). هذا التموضع يمنح الجماعة “ترخيصاً مسبقاً” ومرونة عالية لإعادة توجيه هذه الكتائب البشرية من المسار الإقليمي إلى جبهات الصراع الداخلية بسلاسة، ودون الحاجة لإنتاج خطاب سياسي جديد.
سياسيًا، يمكن تفسير البيان من خلال أربعة دوافع محتملة، مع عدم الجزم بينها بوصفها حقائق مثبتة. يتمثل الدافع الأول في الردع والإكراه السياسي لرفع كلفة أي تسويات أو ضغوط إقليمية ودولية تتجاوز مصالح الجماعة خاصة مع احتمال مناقشة إيران دعمها لأذرعها في المنطقة مع الولايات المتحدة، عبر استعراض جاهزية “المجتمع المعبأ” بالكامل لا القوة النظامية فحسب.
ويركز الدافع الثاني على التهيئة لتصعيد داخلي انتقائي، وهو ما تؤكده المؤشرات الميدانية المتمثلة في الاستنفار والتحشيد على جبهات القتال؛ إذ لم يقف البيان عند البعد الخطابي، بل تُرجم سريعاً إلى تنشيط تنظيمي مباشر عبر إطلاق دورات تدريبية جديدة وتوالي بيانات التأييد المؤسسي والقبلي لـ”ألوية المدد الشعبي” وجاهزيتها العملياتية.
تسعى الجماعة، من خلال إظهار مجتمع معبأ على نطاق واسع، إلى تعزيز قدرتها على الردع السياسي ورفع كلفة أي تسويات أو ضغوط إقليمية ودولية لا تتوافق مع مصالحها.
الدافع الثالث، يتمثل في توجيه رسالة للمملكة العربية السعودية إذ يحمل خطاب “إنهاء الحصار وانتزاع الحقوق” رسالةً ابتزازية واضحة للرياض. فالجماعة تُحمّل المملكة مسؤولية توقف الرواتب، وتطالبها بدفع المرتبات من عائدات النفط والغاز اليمني، ورفع القيود عن الموانئ ومطار صنعاء. وفي هذا الإطار، يُعد التصعيد العسكري ورقةَ ضغط للحصول على مكاسب اقتصادية.
وينطوي الدافع الرابع على تعزيز السيطرة الداخلية وإعادة ضخ الشرعية التعبوية في مجتمع يواجه أوضاعًا اقتصادية وإنسانية قاسية. هذا التفسير يستند إلى أن الحوثيين استخدموا التعبئة المؤيدة لفلسطين لإخماد الغضب من الوضع الاقتصادي المتردي، ولإضفاء شرعية على السلطة وتبرير مزيد من القمع.
عسكريًا، يوجه البيان رسالتين متداخلتين. الرسالة الأولى داخلية: أن التعبئة لم تعد مجرد حشد رمزي، بل قوة قابلة للربط العملياتي بالقوات النظامية. وهذا مهم لأنه يطمئن القواعد الموالية ويضغط على المترددين في مناطق سيطرته ويزيد كلفة الانشقاق المحلي. والرسالة الثانية خارجية: أن أي خصم إقليمي أو داخلي لن يُواجه فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة والبحرية، بل أيضًا مجتمعًا عسكريًا احتياطيًا يجري تنظيمه. وهذا النوع من الرسائل صُمم غالبًا لصناعة ضباب ردع أكثر من كونه إعلان أمر عمليات محدد.
خامساً: الانعكاسات والسيناريوهات المحتملة
يتمثل أخطر الانعكاسات المحلية في تعميق عسكرة المجتمع عبر ربط مؤسسات الدولة، والجامعات، والقبائل بمنطق الحرب الدائمة؛ مما يقوّض مقومات الحياة المدنية ويفاقم مخاطر التجنيد القسري المستهدف للشباب والأطفال والمجتمعات الفقيرة في بيئة إنسانية واقتصادية هي بالفعل شديدة الهشاشة.
إنسانياً واقتصادياً، يُنذر أي تصعيد عسكري جديد بإنهاك بيئة العمل الإنساني شحيحة التمويل والمأزومة جراء الانتهاكات الحوثية واحتجاز الموظفين الأمميين، مما يرفع الكلفة مباشرة على المدنيين. وتتعمق هذه الهشاشة مع مخاطر اضطراب الاستيراد وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، حيث يؤدي احتمال تجدد المعارك البرية أو استهداف الملاحة البحرية إلى تدمير القدرة الشرائية وسلاسل التوريد، والضغط بعنف على العملة المحلية وقدرة الأسر على الصمود.
لا يقتصر أثر قوات التعبئة على تعزيز القدرات العسكرية للجماعة، بل يمتد إلى تعميق عسكرة المجتمع وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بمنطق الحرب الدائمة.
إقليمياً، يعيد جهاز التعبئة مزج الملف اليمني الداخلي بأمن البحر الأحمر واستراتيجية “وحدة الساحات” المرتبطة بمحور إيران، ما يجعل قراءته كشأن محلي بحت مقاربة قاصرة؛ إذ يمنح هذا الهيكل المرن والضخم الجماعة ثقلاً إضافياً في معادلات الردع الإقليمية، مما يضاعف فرص سوء التقدير وحسابات الاشتباك بين القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في المنطقة.
السيناريو الأول: التصعيد المحدود (الأكثر ترجيحاً) يُرجَّح أن تلجأ الجماعة إلى تصعيد تكتيكي محدود يُبقيها في حالة استنفار دائم دون الانزلاق إلى حرب شاملة؛ بشن هجمات أوسع على مأرب أو الحديدة أو تعز لربط قواعد الحركة بالحرب والتغطية على حالة التململ الداخلية، والضغط على السعودية لتسليم المرتبات وتجاوز العقوبات الأمريكية على مناطق سيطرة الجماعة.
السيناريو الثاني: الحرب الشاملة (متوسطة-منخفضة الاحتمالية) يظل هذا السيناريو قائماً. ومن المرجح أن يتركّز أي هجوم شامل على جبهتَي مأرب والحديدة نظراً لأهميتهما الاستراتيجية والاقتصادية، بالتوازي مع تصعيد بحري في البحر الأحمر. غير أن هذا الخيار مكلف للجماعة، لا سيما أن الحكومة الشرعية رفعت جاهزيتها العسكرية بشكل ملحوظ.
السيناريو الثالث: الاحتواء الدبلوماسي (متوسط الاحتمالية) يُواصل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ جهوده المكثفة لاحتواء التوتر، وقد أعلن عن توافق لعقد اجتماعات عسكرية جديدة بين الأطراف. كما أن قنوات التواصل بين الحوثيين والسعودية لم تنقطع كلياً.
ظهرت المقالة مجاميع التعبئة الحوثية: التحول نحو نموذج الباسيج الإيراني أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.