تحت لافتة الوقف.. كيف تبتلع مليشيا الحوثي أراضي اليمنيين وممتلكاتهم؟
حزبي
منذ 5 ساعات
مشاركة

تعود قضية الأراضي في منطقة عصِر غرب العاصمة صنعاء إلى الواجهة مجددًا مع تصاعد المواجهة بين الأهالي وهيئة الأوقاف التابعة لمليشيا الحوثي، على خلفية مساعٍ حوثية مستمرة منذ سنوات لضم مساحات واسعة من الأراضي والمنازل إلى أملاك الوقف، وسط رفض مجتمعي واسع وتمسك السكان بوثائق ملكية متوارثة عبر الأجيال.

وخلال السنوات الماضية، أعادت هيئة الأوقاف الحوثية فتح ملفات ملكية مستقرة منذ عقود تحت مبرر الوقف، ودفعت باتجاه فرض دعاوى على أراضٍ وممتلكات في عدد من المحافظات، مستفيدة من نفوذ واسع وفرته لها مليشيا الحوثي.

ومنذ أربعة أعوام، برزت هيئة الأوقاف الحوثية كواحدة من أكثر المؤسسات إثارة للاتهامات بالاستيلاء على ممتلكات المواطنين وتوظيف النفوذ الأمني والقضائي لفرض الأمر الواقع، في مسار يستهدف تجريف حقوق اليمنيين وتوسيع نفوذ الشبكة السلالية المرتبطة بالمليشيا.

أراضي عصِر

أعادت التطورات الأخيرة في منطقة عصِر بالعاصمة صنعاء فتح واحدة من أكثر القضايا العقارية حساسية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بعد تجدد رفض الأهالي للإجراءات التي تتخذها هيئة الأوقاف بحق أراضٍ ومنازل يؤكد السكان أنها مملوكة لهم بموجب وثائق رسمية متوارثة منذ عقود طويلة.

وتعود جذور القضية إلى نحو أربعة أعوام حين أقدمت سلطات المليشيا على اعتبار مساحات واسعة من منطقة عصر وقفًا عامًا، استنادًا إلى روايات تاريخية وادعاءات ملكية تعود إلى قرون مضت، وهو ما قوبل برفض واسع من أبناء المنطقة الذين شككوا في الأسس التي بنيت عليها تلك المزاعم.

وشهدت القضية خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا جديدًا عقب تحركات هيئة الأوقاف لاستحداث مكتب لها داخل المنطقة، الأمر الذي دفع الأهالي والوجهاء إلى عقد لقاء قبلي موسع أعلنوا خلاله رفضهم القاطع لهذه الخطوة، مؤكدين أن أي محاولة لفرض واقع جديد تمثل اعتداءً مباشرًا على الملكية الخاصة وتهديدًا للاستقرار المجتمعي.

ولا تقتصر تداعيات القضية على عدد محدود من العقارات أو الأراضي، إذ يتحدث سكان محليون عن نطاق جغرافي واسع يضم آلاف المساكن والمنشآت والاستثمارات التي شهدت عمليات بيع وشراء وتوريث متواصلة على مدى أجيال، ما يجعل أي تغيير في صفة الملكية مصدر قلق واسع لآلاف الأسر المرتبطة بهذه الممتلكات.

ويؤكد أبناء المنطقة أن الخلاف لا يتعلق برفض الاحتكام إلى القانون أو القضاء، بل برفض فرض ادعاءات أحادية بالقوة، مشددين على أن أي مطالب تتعلق بالأوقاف أو الملكيات التاريخية ينبغي أن تستند إلى أحكام قضائية واضحة وإجراءات قانونية شفافة تحفظ الحقوق وتمنع تحويل النزاعات العقارية إلى أدوات للنفوذ والهيمنة.

نمط متكرر للنهب

تكشف عشرات الوقائع المتواترة من عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا عن نمط مشابهٍ لقضية "أراضي عصِر"، يقوم على الادعاء بوقفية أراضٍ وعقارات واسعة، ثم السعي إلى فرض السيطرة عليها من قبل هيئة الأوقاف الحوثية، مستفيدة من النفوذ الذي تتمتع به داخل مؤسسات السلطة التابعة للجماعة.

 

في تهامة، يبرز بوضوح أكثر النماذج الحوثية في النهب المنظم للأراضي، حيث قامت المليشيا بالبسط على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تحت مبرر الوقف، بالتوازي مع عمليات تجريف وهدم طالت قرى بأكملها، لصالح قيادات سلالية وشخصيات نافذة مرتبطة بالمليشيا.

وامتدت هذه الممارسات إلى مختلف المحافظات، حيث باتت دعاوى الوقف تُستخدم بصورة متكررة لإعادة فتح ملفات مِلكية مستقرة منذ عقود طويلة، الأمر الذي خلق حالة من القلق بين المواطنين، خصوصًا في المناطق التي تعتمد وثائقها العقارية على سجلات قديمة أو ملكيات متوارثة عبر الأجيال.

ولعل حادثة المواطن "عبدالغني ضيف سريع الرازحي" في ميدان السبعين بصنعاء أواخر عام 2024 كانت من أبرز الوقائع التي كشفت حجم الاحتقان الشعبي المرتبط بملف الأوقاف، بعدما أقدم على إحراق نفسه احتجاجًا على مصادرة أرضه من قبل الهيئة، في حادثة صادمة أثارت موجة غضب واسعة حينها.

كما فتحت تلك الحادثة الباب أمام ظهور شكاوى مماثلة من مواطنين ومزارعين في محافظات أخرى، تحدثوا عن تعرضهم لضغوط أو تهديدات بفقدان أراضيهم تحت دعاوى الوقف، في مؤشر يعكس اتساع دائرة النزاعات العقارية وتحولها إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للتوتر الاجتماعي في مناطق سيطرة المليشيا.

سلطة فوق القانون

لا تقتصر الانتقادات الموجهة لهيئة الأوقاف الحوثية على النزاعات المتعلقة بملكية الأراضي والعقارات، بل تمتد إلى طبيعة الصلاحيات التي باتت تمارسها على الأرض، إذ أصبحت تتصرف كسلطة تنفيذية وأمنية موازية، مستفيدة من النفوذ الواسع الذي وفرته لها سلطات المليشيا خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف العديد من القضايا المنظورة أمام المحاكم عن تدخلات مباشرة للهيئة الحوثية في نزاعات عقارية لا تزال قيد التقاضي، حيث تلجأ - بحسب شكاوى متكررة- إلى توجيه الأجهزة الأمنية بتنفيذ إجراءات ميدانية أو فرض وقائع جديدة قبل صدور أحكام نهائية، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلالية القضاء واحترام الإجراءات القانونية.

في محافظة حجة، برزت إحدى القضايا التي تعكس هذا النمط، إذ قامت هيئة الأوقاف الحوثية بإصدار توجيهات مباشرة إلى إدارة أمن المحافظة للبسط على عقارات متنازع عليها، رغم وجود دعاوى منظورة أمام القضاء وقرارات قضائية تمنع أي تصرف في تلك الممتلكات حتى الفصل النهائي في النزاع.

ويقول المحامي فارس أبوزرعة، الذي يتولى الدفاع عن أحد ملاك العقارات في حجة، إن الهيئة تتعامل في بعض القضايا باعتبارها جهة تمتلك سلطة فوق المؤسسات الرسمية، إذ لا تكتفي بتقديم شكاوى أو مرافعات قانونية كأي طرف نزاع، بل تمارس ضغوطًا عبر الأجهزة الأمنية لفرض مطالبها على المواطنين، في مخالفة صريحة لمبدأ المساواة أمام القانون.

وأضاف في منشور على صفحته بمنصة فيسبوك: "قلنا وكررنا أن عليكم (أي الهيئة الحوثية) في أي نزاع مع المواطنين أن تقدموا شكوى مثلكم مثل أي مواطن، سواءً إلى إدارة الأمن او المحاكم، ولا يحق لكم أن تصدروا توجيهات الى إدارة أمن حجة وكأنكم سلطة عليهم".

وأشار إلى أنه على سلطة مليشيا الحوثي أن تتوقف عن عرقلة أداء القضاء والوقوف أمام القانون واستخدام الأمن ضد المواطنين، مضيفًا: "إذا لم تتوبوا وتتعاملوا مع الشعب بالقانون فإنكم وسلطتكم ستذهبون إلى الهاوية".

فساد وتبديد للموارد

 

بالتوازي مع الاتهامات المتعلقة بالاستيلاء على الأراضي والعقارات، تواجه هيئة الأوقاف الحوثية اتهامات متصاعدة بشأن مصير الإيرادات الضخمة التي تجنيها من الأصول الوقفية المنتشرة في مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي.

وتثير هذه الاتهامات تساؤلات متكررة حول مدى التزام الهيئة بالمقاصد التي أنشئت الأوقاف من أجلها، خصوصًا مع تزايد الشكاوى من تدهور أوضاع المساجد والعاملين فيها، رغم اتساع حجم الموارد والعائدات المتحصلة من الأراضي الزراعية والعقارات والمحال التجارية والأملاك الوقفية الخاضعة لإدارتها.

وفي هذا السياق، اتهم الناشط زيد الكبسي الهيئة الحوثية بالاستحواذ على مئات الملايين من الريالات المخصصة للمساجد، موضحًا الكبسي أنها جمعت من إحدى مديريات صنعاء مبلغًا يُقدّر بـ 900 مليون ريال من إيرادات أراضٍ ودكاكين وعمائر موقوفة لصالح المساجد.

وأضاف، في منشور له، أن هيئة الوقف لم تُعد إلى المساجد سوى 4 ملايين ريال فقط، وُزعت على أئمة المساجد بواقع 10 آلاف ريال لكل إمام، فيما تم تحويل نحو 896 مليون ريال إلى مصارف وصفها الكبسي بأنها شخصية وطائفية.

وتعزز هذه الاتهامات الانطباع السائد لدى كثير من المواطنين بأن ملف الأوقاف لم يعد مرتبطًا بإدارة أموال مخصصة للمصلحة العامة بقدر ارتباطه بشبكة مالية حوثية مغلقة، يصعب تتبع مواردها ومصارفها، في ظل غياب البيانات المالية الواضحة واحتكار الهيئة لسلطة الجباية والإدارة والتصرف بالأصول الوقفية.

وأمام قضايا الأراضي في مختلف المحافظات، وعمليات الاستحواذ والفساد وتجاوز القانون، تتكشف صورة أوسع لمؤسسة تحولت من جهة يفترض أن تحمي الوقف وتصون حقوقه إلى أداة تستخدمها المليشيا لتوسيع نفوذها الاقتصادي والاجتماعي، عبر ابتلاع الممتلكات وإعادة توجيه الموارد لخدمة مشروعها السلالي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية