إحياء الإمامة بثوب جديد.. ماذا يريد الحوثيون من "يوم الولاية"؟
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة
تتجدد في الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام مظاهر الاحتفاء بما تسميه مليشيا الحوثي "يوم الولاية"، في مناسبة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى موسم تعبوي واسع النطاق، تسخر له الجماعة إمكانات الدولة المختطفة ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية في مناطق سيطرتها.

وتنظر المليشيا إلى هذه المناسبة باعتبارها إحدى الركائز الفكرية والسياسية التي يقوم عليها مشروعها، إذ ترتبط بمفهوم "الولاية" الذي يمنح، وفق أدبياتها، حق الحكم والقيادة لفئة بعينها، ويعيد إنتاج مفاهيم الاصطفاء السلالي والامتياز الطبقي التي أسقطتها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

وخلال الأعوام الماضية، صعّدت المليشيا من حملات الترويج لهذه المناسبة، عبر حشد الجماهير وفرض الزينة والشعارات الخضراء وتنظيم الفعاليات التعبوية، بالتوازي مع حملات جباية واسعة تستهدف المواطنين والتجار ومؤسسات القطاعين العام والخاص، في مسعى يجمع بين التعبئة الفكرية والاستغلال المالي.

ويرى مراقبون أن هوس الحوثيين بإحياء "يوم الولاية" يتجاوز البعد الاحتفالي إلى أهداف أعمق تتصل بإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وترسيخ شرعية سياسية ودينية لمشروع الجماعة، وتطبيع المجتمع مع مفاهيم التمييز السلالي والطاعة المطلقة، في سياق معركة فكرية وثقافية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية التي تخوضها منذ سنوات.

الأساس الفكري

تمثل "الولاية" في الفكر الحوثي أكثر من مجرد مناسبة دينية أو ذكرى سنوية، إذ تشكل الركيزة العقائدية التي يستند إليها مشروع المليشيا السياسي، والمرجعية التي تبرر من خلالها أحقيتها بالسلطة وتقديم نفسها بوصفها صاحبة حق حصري في قيادة المجتمع والدولة.

وتقوم هذه الرؤية على فكرة الاصطفاء السلالي التي تمنح فئة محددة امتيازات سياسية ودينية واجتماعية استناداً إلى النسب، وتربط الطاعة والشرعية بالحكم المنتمي إلى هذه السلالة، بما يعيد إنتاج مفاهيم الإمامة التي ثار عليها اليمنيون وأسقطوها بثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

ويوضح الصحفي هزاع البيل أن ما يسمى بـ"يوم الولاية" جرى توظيفه سياسياً لتبرير احتكار السلطة باسم الحق الإلهي المزعوم، موضحاً أن المشروع الحوثي لا يستند إلى مبدأ الشورى أو إرادة المجتمع، وإنما إلى فكرة الاصطفاء السلالي التي تمنح الحكم لفئة بعينها وتحرم منه بقية اليمنيين.

بدوره، يؤكد الكاتب والأكاديمي سمير اليوسفي أن جوهر فكرة "الولاية" كما تطرحها المليشيا يقوم على منح امتيازات سياسية واقتصادية لفئة محددة استناداً إلى النسب، معتبراً أن السلطة والثروة تُقدمان في الخطاب الحوثي بوصفهما حقاً حصرياً للسلالة، الأمر الذي يحول مفهوم المواطنة المتساوية إلى علاقة تبعية تخضع لمنطق الامتياز الوراثي.

وبخلاف النظم السياسية التقليدية التي تقوم على المواطنة أو التنافس السياسي، تنطلق نظرية الولاية من تصور يمنح السلطة لفئة بعينها باعتبارها الأجدر بالحكم، ويجعل بقية المجتمع في موقع التابع، وهو ما يفسر الحضور الكثيف لهذا المفهوم في أدبيات الجماعة وخطابها التعبوي.

ولهذا تحرص المليشيا على إحياء "يوم الولاية" سنوياً بوصفه مناسبة لإعادة التأكيد على هذه الأفكار وترسيخها في الوعي العام، وتقديمها باعتبارها حقائق دينية ومسلمات عقدية، في محاولة لإضفاء شرعية دينية على مشروع سياسي يقوم على احتكار السلطة وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيته السلالية.

إعادة تشكيل المجتمع

تتعامل مليشيا الحوثي مع "يوم الولاية" باعتباره موسماً سنوياً للتعبئة الفكرية والثقافية، يتجاوز حدود الاحتفال إلى حملة منظمة تستهدف إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وترسيخ مفاهيم الطاعة والولاء للمليشيا تحت غطاء ديني وعقائدي واسع.

ومع اقتراب المناسبة، تتحول المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة المليشيا إلى فضاءات دعائية مفتوحة، حيث تنتشر اللافتات والشعارات والملصقات ذات اللون الأخضر في الشوارع والمؤسسات والأسواق، ضمن حملة مكثفة تسعى إلى تكريس الهوية الحوثية وإحلالها محل الهوية الوطنية الجامعة.

وتأتي هذه الجهود في سياق حرب موازية تخوضها مليشيا الحوثي إلى جانب حربها العسكرية، إذ تعمل على تطبيع المجتمع مع مفاهيم الولاية والاصطفاء السلالي، وتقديمها بوصفها جزءاً من الدين والثقافة العامة، رغم تعارضها مع مبادئ المساواة والمواطنة التي رسختها الجمهورية.

ويرى مراقبون أن الهدف الأبعد من هذه الحملات يتمثل في إنتاج أجيال تتقبل هيمنة الجماعة وتتعامل مع امتيازاتها السلالية باعتبارها أمراً طبيعياً، بما يتيح للحوثيين بناء قاعدة اجتماعية وفكرية تدين لهم بالولاء وتمنح مشروعهم قدراً أكبر من الاستمرار والبقاء.

موسم للجباية

بالتوازي مع الحشد التعبوي والدعائي، تستغل مليشيا الحوثي "يوم الولاية" لفرض جولة جديدة من الجبايات والإتاوات على المواطنين والتجار، في نمط متكرر حوّل المناسبات الطائفية إلى مواسم مالية تستهدف توفير موارد إضافية لتمويل أنشطة الجماعة المختلفة.

وخلال الأسابيع التي تسبق المناسبة، تصعّد الجماعة حملات التحصيل في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية وهيئات عامة بالمساهمة في تمويل الفعاليات والأنشطة المرتبطة بالاحتفال.

وتتم عمليات الجباية عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة يمارسها المشرفون الحوثيون، تشمل التهديد بالعقوبات والمضايقات الإدارية، فضلاً عن فرض مبالغ متفاوتة على الأنشطة التجارية، وإلزام أصحاب المحال بتعليق الشعارات وتقديم دعم مالي ولوجستي للحشود المنظمة.

ويصف الأكاديمي سمير اليوسفي الجبايات المرتبطة بمناسبات المليشيا بأنها نموذج لتوظيف الخطاب الديني في عمليات التحصيل المالي، مشيراً إلى أن المواطنين يُجبرون على تمويل فعاليات وشعارات لا تعالج أزماتهم المعيشية، فيما تُنفق الأموال المحصلة على أنشطة دعائية واحتفالية في وقت تتسع فيه دوائر الفقر والحرمان.

التوظيف السياسي

يوضح علماء ودعاة وباحثون أن مثل هذه المناسبة، وغيرها من المناسبات الطائفية التي تعمل مليشيا الحوثي على إحيائها تهدف في المقام الأول لترسيخ الولاء الفكري والسياسي، وأن الاحتفال بهذه المناسبة لا يستند إلى أصل شرعي، وأن تحويلها إلى شعيرة دينية يمثل توظيفاً سياسياً للنصوص والمفاهيم الدينية.

وفي هذا السياق، أكد وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي أن ما يعرف بـ"يوم الغدير" يعد من البدع المحدثة التي لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مشدداً على أن الدين اكتمل ببعثة النبي وأن أي عبادة تُستحدث دون دليل شرعي تعد مردودة.

وأوضح أن الاحتفال بهذه المناسبة لم يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا القرون المفضلة، مبيناً أن أول ظهور له كشعيرة عامة كان في عصور متأخرة، كما أن الاستدلال بحديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" لإثبات حق سياسي أو حصر الإمامة في فئة بعينها لا ينسجم مع سياق الحديث ودلالاته.

ويؤكد محللون وناشطون أن مليشيا الحوثي لا تحتفي بالمناسبة باعتبارها ذكرى دينية فحسب، بل توظفها لإضفاء شرعية عقائدية على مشروعها السياسي، وتقديم أفكار الاصطفاء السلالي والحق الحصري في الحكم بوصفها جزءاً من الدين، في تعارض مع قيم المساواة والعدالة التي جاء بها الإسلام وترسخت في النظام الجمهوري.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية