الغدير.. حين يجوع اليمنيون لتمويل الخرافة
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

 

 

في صباح باهت من صباحات صنعاء، كانت أم يمنية تقف أمام بائع الخبز تساومه على نصف ربطة فقط. لم تكن تبحث عن تخفيض في السعر، بل عن فرصة لتأجيل جوع أطفالها بضع ساعات إضافية.

في منزلها ثلاثة أطفال لم يتناولوا سوى وجبة واحدة منذ اليوم السابق، وزوج بلا راتب منذ سنوات، ومستقبل يضيق يوماً بعد آخر تحت وطأة الفقر والحرب وانهيار سبل العيش.

وفي الوقت ذاته، كانت مكبرات الصوت تُجهّز في الساحات، والأضواء تُعلّق على أعمدة الشوارع، واللافتات العملاقة تُرفع فوق المباني الحكومية، استعداداً لما تسميه جماعة الحوث "يوم الغدير”.

هنا، في المشهد اليمني الممزق، يقف الجوع وجهًا لوجه أمام الاحتفال؛ شعب يبحث عن الخبز، ومليشيا انقلابية تبحث عن تكريس الأسطورة، في قصة لا تظهر في صور الحشود، ولا تنقلها الألعاب النارية، ولا ترويها الخطب الحماسية التي تملأ الشاشات والساحات.

مجاعة صامتة

منذ سنوات، يعيش ملايين اليمنيين واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق توصيفات الأمم المتحدة وتقارير المنظمات الدولية.

وتقول خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 إن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، بينهم 5.2 ملايين نازح داخليًا، فيما يواجه 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.

كما تقدّر اليونيسف أن نحو 500 ألف طفل قد يعانون من الهزال الشديد خلال العام نفسه، في بلد يواصل اقتصاده الانكماش وتتراجع فيه الخدمات وفرص العيش.

هذه الأرقام ليست مجرد بيانات في تقارير دولية، بل وجوه متعبة في الأسواق، وأسر تقف على حافة الجوع، وموظفون بلا مرتبات، ومرضى يعجزون عن شراء الدواء، وطلاب يتركون مقاعد الدراسة بحثًا عن فرصة عمل تسد رمق أسرهم.

في اليمن اليوم، تحولت أحلام الأطفال الصغيرة إلى أمنيات أكثر تواضعًا: وجبة كاملة، أو حذاء جديد، أو حقيبة مدرسية.

لكن بينما تتسع دائرة الفقر يوما بعد آخر، تبدو أولويات جماعة الحوثي مختلفة تمامًا. فبدلًا من البحث عن حلول اقتصادية، أو معالجة الانهيار المعيشي الذي يطحن اليمنيين، تُسخّر الإمكانات العامة كل عام لإحياء مناسبة “الغدير”، التي تحولت من حدث مذهبي محدود إلى مشروع تعبئة سياسي واسع النطاق.

 

أسطورة الحكم

لا يتعلق الأمر لدى الحوثيين بذكرى دينية عابرة، فجوهر المناسبة يرتبط بفكرة “الولاية”، وهي العقيدة التي تقوم عليها البنية الفكرية للجماعة.

ومن خلال هذه المناسبة، تسعى الجماعة إلى ترسيخ فكرة أن الحكم ليس حقا عاما يتساوى فيه المواطنون، بل امتياز مرتبط بسلالة بعينها. ولهذا السبب لا تتعامل الجماعة مع "الغدير" كمناسبة تاريخية فحسب، بل كأداة سياسية لإعادة إنتاج شرعيتها، وتبرير احتكارها للسلطة.

ويؤكد عدد من الباحثين في التاريخ الإسلامي أن حديث غدير قم ظل محل تفسيرات متعددة بين المسلمين عبر القرون، وأن تحويله إلى مناسبة سياسية ملزمة لم يكن جزءًا من الموروث الديني العام للمجتمع اليمني.

 

ومع ذلك، تعمل الجماعة على تقديم المناسبة بوصفها ركنا مركزيا في هويتها السياسية والعقائدية.

 

دولة الاحتفال

 

خلال الأسابيع التي تسبق الغدير، تتحول مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين إلى غرف تعبئة جماعية.

 

ويقول مصدر يعمل في إحدى المؤسسات الحكومية بصنعاء، لـ”الصحوة نت”، إن الاجتماعات الخاصة بالمناسبة تبدأ مبكرا، وتتبعها حملات حشد وجمع مساهمات مالية من المؤسسات والتجار والقطاع الخاص.

 

ويضيف أن كثيرا من الجهات تُلزم بالمشاركة في الفعاليات أو دعمها، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

 

وفي الوقت الذي يعجز فيه آلاف الموظفين عن الحصول على مرتباتهم، تُخصص الموارد للزينة والمنصات والمهرجانات واللافتات والدعاية الإعلامية.

إنها مفارقة تلخص طبيعة المرحلة كلها: حكومة مليشيا الانقلاب غائبة عندما يتعلق الأمر بالخدمات، وحاضرة بكل ثقلها عندما يتعلق الأمر بالدعاية العقائدية.

 

الخبز المفقود

يقول عبد الكريم الصبري، وهو موظف متقاعد، إن أكثر ما يؤلمه ليس الاحتفال نفسه، بل الرسالة التي يحملها.

ويضيف لـ”الصحوة نت”: "حين ترى الأموال تُنفق على الشعارات بينما الناس عاجزون عن شراء الطعام، تدرك أن معاناتك ليست أولوية عند من يحكمونك".

أما إيمان علي، وهي معلمة، فتقول إن الحديث عن الغدير لم يعد يثير اهتمام الناس بقدر ما يثير شعورهم بالقهر.

 

وتضيف: “نحن نعيش أزمة حقيقية. الأسر تبحث عن الغذاء والدواء والتعليم، لكن جماعة الحوثي منشغلة بإحياء مناسبات لا تغيّر شيئا في حياة المواطن”.

 

هذا الشعور يتكرر في أحاديث كثير من اليمنيين، الذين يرون أن الفجوة بين معاناتهم اليومية وخطاب الجماعة تتسع بصورة غير مسبوقة.

 

تغيير الهوية

 

يرى مراقبون أن أخطر ما في احتفالات الغدير ليس حجم الإنفاق المالي فقط، بل محاولات إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي.

 

فمن خلال المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والخطاب الديني، تسعى الجماعة إلى غرس مفاهيم جديدة في المجتمع، تقوم على التمييز السلالي، وإضفاء قداسة سياسية على فئة بعينها.

 

وتقول الباحثة الاجتماعية الدكتورة سماء عبد الجبار، من صنعاء، إن الجماعات الأيديولوجية تدرك أن السيطرة العسكرية قد تكون مؤقتة، بينما السيطرة على الوعي أكثر دوامًا واستمرارًا.

 

وتضيف أن ما يحدث في مناسبات مثل الغدير يدخل ضمن مشروع طويل الأمد لإعادة هندسة الهوية الثقافية والدينية للمجتمع اليمني.

 

ولهذا تبدو المعركة الحقيقية أبعد من الساحات والمهرجانات. إنها معركة على ذاكرة الأجيال القادمة.

 

غضب مكتوم

 

في الأسواق والمقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي، تتكرر الأسئلة ذاتها: من أين تأتي أموال هذه الاحتفالات؟ ولماذا تتوفر الميزانيات للمهرجانات، بينما تغيب عن المستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يحتفل، وهو عاجز عن تأمين احتياجات أسرته اليومية؟

 

ورغم القبضة الأمنية المشددة، فإن حالة التذمر الشعبي باتت أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فاليمنيون الذين صبروا سنوات طويلة تحت وطأة الحرب والفقر، أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي مظهر من مظاهر البذخ الرسمي، خصوصًا عندما يأتي ذلك على حساب أبسط حقوقهم المعيشية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية